بعيدًا عن الاستقطاب السطحي والنقاشات المستهلكة حول مظهر النساء، وبين ثنائيات زائفة لا تنتج إلا ضجيجًا، أكتب هذه السطور عن تجربة عشتها بنفسي، وعن نموذج حقيقي لامرأة مصرية قدّمت صورة مشرفة لبلدها في محفل دولي كبير.

 

الست التي أتحدث عنها هي الدكتورة راندا رزق، الملحق الثقافي لسفارة مصر في قطر. ما سأرويه هنا ليس انطباعًا عابرًا، بل شهادة مباشرة على حدث عالمي شاركت فيه مصر بجهد استثنائي وفي وقت قياسي، وكان ذلك في عام 2016 في منتصف الأزمة الدبلوماسية بين مصر وقطر والتي انتهت بعودة الأشقاء لبعضهم البعض. 

 

الحدث هو مهرجان «قهوتي هويتي»، أكبر تجمع عالمي لمحبي القهوة من مختلف دول العالم. تشارك فيه عادة الدول التي تُعد القهوة جزءًا أصيلًا من تراثها أو عمودًا من أعمدة اقتصادها. والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: ما علاقة مصر بالقهوة؟

 

الإجابة تبدأ عندما اعتذرت البرازيل، إحدى أهم دول إنتاج البن في العالم، عن المشاركة. هنا تحركت راندا رزق، وقدمت طلبًا عاجلًا لمشاركة مصر في المهرجان، ليس لأن القهوة تراث مصري، بل لأن الحدث منصة عالمية يمكن استغلالها للترويج لمصر ودعم السياحة وفتح نوافذ للحوار الاقتصادي والثقافي.

من حسن حظي أن عملي كان مرتبطًا بتنظيم المهرجان، وكنت المسؤول الإعلامي عنه. فوجئت بوجود جناح مصري لم يكن مدرجًا في الجداول الرسمية، وعرفت لاحقًا أن مصر دخلت المهرجان قبل انطلاقه بأقل من 24 ساعة، بدلًا من البرازيل.

 

في هذا الوقت الضيق، فعلت راندا ما يشبه المستحيل. جمعت موظفي السفارة، وحوّلت مشاركتهم إلى فريق عمل ميداني. صممت جناحًا مستوحى من شارع المعز، وقدّمت من خلاله مشروبات مصرية خالصة: عصير القصب، العنّاب، العرقسوس، السوبيا، والدوم. موظفو وزارة الخارجية أنفسهم وقفوا يقدّمون هذه المشروبات للزوار بروح شعبية جميلة، كأنهم “قهوجية” مصر في قلب مهرجان عالمي.

ولأن راندا كانت واعية بأن القهوة ليست تراثنا، لم تكتفِ بذلك. دعمت فنانة مصرية شابة، نحّاتة، وقدمت أعمالها ، ليكون للزوار فرصة للتصوير والتفاعل مع الفن المصري المعاصر. 

وأضافت الحلويات الشعبية مثل لقمة القاضي وصباع زينب، وحتى “الطاولة”، لتكتمل الصورة الثقافية والاجتماعية.

 

حين لاحظت التفاعل الكبير مع الجناح المصري، بدأت – بدافع وطني خالص – في توجيه أي وفد أجنبي مهم، خصوصًا الأوروبيين، إلى جناح مصر. 

هناك، كان فريق الجناح يستقبل الضيوف بحفاوة، يشرح لهم عن السياحة المصرية، ويتحدث عن فرص الاستثمار والاقتصاد، ويقنع الكثيرين بأن زيارة مصر ليست فكرة، بل ضرورة. واللافت أن عددًا كبيرًا من هؤلاء أبدى موافقة حقيقية واستعدادًا للزيارة.

 

النتيجة؟ حصل الجناح المصري على شهادة الجناح الأكثر إقبالًا من الجماهير، متقدمًا على أجنحة دول لها تاريخ طويل مع القهوة، تلتها إثيوبيا ثم تركيا ثم إندونيسيا.

 

كل هذا تم في أقل من 24 ساعة. دون تذرع بضيق الوقت، أو الاكتفاء بالحد الأدنى من المهام، أو الاختباء خلف أي توتر سياسي. لم تقل راندا “هذا ليس اختصاصي”، ولم تنتظر تعليمات أو أختامًا أو موافقات بيروقراطية. تحركت لأنها تحب مصر، ولأنها تؤمن أن تمثيل الوطن مسؤولية قبل أن يكون منصبًا.

 

راندا رزق مثال للشخصية التي تحتاجها مصر: شخص يبادر، يفكر، ويتحرك من تلقاء نفسه. نموذج للنجاح الحقيقي، حيث تتحول الوظيفة إلى رسالة، والدور الرسمي إلى فعل مؤثر.

 

هذه ليست مجاملة، بل شهادة.

وختامًا أقول: كوني مثل راندا.