القراءة أمن قومي.. فلماذا لا نمنح أطفالنا حافزًا للقراءة؟

 

فوز الطفلة ميار عثمان يعيد طرح هذا التساؤل؛ فهو ليس مجرد حصول على مركز متقدم على مستوى الوطن العربي، بقدر ما هو انتصار للقيم المصرية والعربية الأصيلة التي تقدّس العلم وتعطيه حق قدره.

 

هو فوز تحقق بعد قراءة سبعين كتابًا في مجالات مختلفة، أثْرت حصيلتها اللغوية، وصقلت قدرتها على التعبير باللغة العربية الفصحى، لغة القرآن الكريم التي كانت أول آياته: «اقرأ».

 

وفوز ميار يؤكد أن الكتاب لا يزال الصديق الصدوق الذي لا يتخلى عن صاحبه مهما حدث، بل يكون عونًا له وبوصلة توجهه إلى الطريق الصحيح. كما يؤكد أن شغف الإنسان بالحكايات والمعرفة فطرة إنسانية أصيلة.

 

إن ميار لم تفز وحدها في هذه المسابقة، بل منحتنا فرصة لنعيد التفكير في مكانة القراءة في حياة أطفالنا، وفي قدرتنا على تحويلها من نشاط اختياري إلى قيمة أصيلة وممارسة يومية تستحق التشجيع والتقدير. فكل ذلك يؤكد ضرورة البحث عن وسائل تعيد حب القراءة إلى الأطفال، وتساعدهم على تكوين شخصية ناضجة، تمتلك قدرًا من المعرفة يؤهلها لخوض رحلة الحياة بثقة ووعي.

 

والشكر واجب لوزارة التربية والتعليم، وللإدارة العامة للأنشطة الطلابية برئاسة الدكتورة إيمان حسن، والدكتورة زينب مشهور، مدير عام إدارة المكتبات ومنسق مشروع تحدي القراءة العربي في جمهورية مصر العربية، تقديرًا لجهودهما في هذا المشروع الذي أتم عامه العاشر، ونجح في اكتشاف ورعاية مواهب قرائية متميزة، كان من بينها ميار.

 

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة إحياء حصة المكتبة، والتعامل معها من منطلق أن القراءة قضية أمن قومي تتعلق ببناء وعي الأطفال وحماية عقولهم؛ فمن خلالها يستطيعون معرفة تاريخ مصر العريقة، والتمييز بين الحقائق والمغالطات التي يروج لها أعداء الوطن، كما يتعرفون إلى أنبل القيم الإنسانية وقصص التحدي التي صنعت تاريخ العظماء.

 

لذلك، يمكن تقديم أنشطة جماعية خلال حصة المكتبة، مثل القراءة الجماعية لكتاب، ومناقشة أفكاره، وتلخيصه، وإتاحة الفرصة للأطفال للتعبير عن آرائهم فيما قرأوه. وأقترح أيضًا تخصيص حافز للقراءة، أسوة بالحافز الرياضي الذي يحصل عليه الطلاب عند تحقيق بطولات على مستوى الجمهورية، مع تخصيص تكريم للطالب المتميز قرائيًا؛ إيمانًا بأن العقل السليم في الجسم السليم، وأن العقل الواعي لا ينمو إلا بالمعرفة والقراءة.

 

كما أن فوز ميار هو انتصار لرقي الكلمة وجمال التعبير والأسلوب المحترم، في زمن تتسارع فيه ثقافة «تيك توك» والمحتوى السريع، وما قد يصاحب بعضه من بذاءة وابتذال. وهو أيضًا تصحيح لفكرة أن الكتاب فقد مكانته أمام العالم الرقمي، وتأكيد على أن الكلمة الراقية لا تزال قادرة على جذب الأطفال والتأثير في عقولهم ومشاعرهم. لذلك نحن بحاجة إلى تقديم بدائل جذابة وراقية تمنحهم المتعة والمعرفة معًا.

 

إننا بحاجة إلى أن نعيد أطفالنا إلى المكتبات، لا باعتبارها مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل مساحات حية للحوار والاكتشاف والتفكير، حتى يصبح لدينا جيل يقرأ ويفكر ويناقش ويبدع، جيل تنتصر فيه الكلمة الراقية، ويكون الكتاب رفيقًا له في بناء مستقبله.