تشهد الساحة العامة مؤخرًا حالة من الزخم اللافت في الأخبار والفعاليات المرتبطة بالمرأة؛ من ملتقيات إقليمية، وحملات لمناهضة العنف، إلى برامج تدريب للقضاة، وشراكات مع هيئات أممية لتمكين الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها سيداتنا من ذوات الهمم، هذا الحراك يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية قضية المرأة، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يترجم هذا الزخم إلى تغيير حقيقي في حياة النساء؟
أول جوانب القوة في هذا المشهد يتمثل في الاعتراف المؤسسي بدور المرأة، سواء من خلال الحديث عن مشاركتها في دعم المصالح الاستراتيجية، أو تمكينها اقتصاديًا، أو تعزيز حضورها في المجال العام، فالاعتراف بوجود المشكلة يُعد خطوة أولى بعد عقود من التعامل مع قضايا المرأة باعتبارها شأنًا هامشيًا أو ثانويًا.
لكن الجانب الأكثر حساسية يكمن في الفجوة بين الخطاب والتطبيق، فرغم المؤتمرات والبيانات، لا تزال أشكال التمييز والاضطهاد قائمة، سواء في سوق العمل، أو داخل الأسرة، أو في المجال القانوني ذاته، العنف ضد المرأة، لا سيما الاقتصادي والنفسي، ما زال يُمارس في مساحات واسعة بصمت اجتماعي، وغالبا ما تُترك الضحايا لمواجهة مصيرهن منفردات.
ويبرز هنا الدور المحوري لـ"العدالة والقضاء" باعتبارهما خط الدفاع الأخير عن حقوق المرأة، فالتدريب المتخصص لقاضيات وقضاة محاكم الأسرة خطوة إيجابية، لكنها تظل مرهونة بقدرة المنظومة ككل على تطبيق القوانين بروحها العادلة، لا بنصوصها الجامدة فقط، العدالة الحقيقية تقاس بسرعة إنصاف الضحايا، وفعالية الحماية القانونية، وقدرة المرأة على الوصول إلى حقها دون استنزاف نفسي أو مادي.
جانب آخر بالغ الأهمية هو قضية سيداتنا من ذوات الهمم، التي تمثل تقاطعًا معقدًا بين التمييز القائم على النوع والتمييز المرتبط بقدراتهن الخاصة، الحديث عن تمكين هذه الفئة يعكس تطورًا في الوعي الرسمي، لكنه يكشف حجم التحديات التي تواجهها نساء غالبًا ما يُقصين من السياسات العامة ومن التمثيل المجتمعي، رغم تعرضهن لمعدلات أعلى من العنف والتهميش.
كما لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي والاجتماعي في قضية المرأة، فتمكين المرأة لا يتحقق بالشعارات، بل بإتاحة فرص عمل حقيقية، وضمان أجر عادل، والاعتراف بقيمة العمل غير المدفوع الذي تؤديه ملايين النساء داخل المنازل، من دون ذلك، يظل استقلال المرأة هشًا ومعرضًا للانتكاس.
هذا الحراك يأتي ضمن مسار أوسع تدعمه القيادة السياسية، عبر تبني استراتيجيات وطنية واضحة، وتوجيه مؤسسات الدولة نحو تعزيز حماية المرأة وتمكينها، ويظل هذا الدعم عاملًا حاسمًا في تحويل المبادرات من إطارها النظري إلى سياسات قابلة للتنفيذ، بما يرسخ مسار الإصلاح ويمنحه الاستمرارية.
في المحصلة، قضية المرأة باتت حاضرة بقوة في الخطاب العام، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الإعلان إلى الأثر، ومن إدارة الملف بوصفه واجهة إعلامية، إلى التعامل معه كقضية عدالة وحقوق لا تقبل التأجيل أو التجزئة، فالمرأة ليست ملفًا موسميًا، ولا رقمًا في تقرير، بل شريكًا أصيلًا في صناعة المجتمع، وأي إخلال بحقوقها هو إخلال مباشر بتوازن المجتمع واستقراره، إنصاف المرأة ليس فضلًا يُمنحه المجتمع أو الدولة، بل حق أصيل، واختبار حقيقي لمدى صدق الحديث عن العدالة والتنمية.
