بينما كانت المدافع تدوي على جبهة القتال في السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن النادي الإسماعيلي مجرد كيان رياضي ينتظر انتهاء الحرب ليعود للملاعب؛ بل كان قلبًا نابضًا للمقاومة، ورمزًا للصمود الذي جسد تلاحم الشعب مع جيشه، فقصة الإسماعيلي مع حرب أكتوبر ليست مجرد تأجيل لمباريات، بل هي ملحمة وطنية بطلها "الدراويش" الذين تحولوا من فنانين بالكرة إلى سفراء للوطن ومقاتلين بـ "الروح".

بدأت علاقة الإسماعيلي بحرب أكتوبر فعليًا منذ لحظة نكسة 1967.. مع تعرض مدينة الإسماعيلية للقصف المستمر، اضطر النادي وأهله للتهجير؛ لكن الإسماعيلي لم يمت؛ بل تحول إلى "نادي الوطن".. في تلك السنوات العجاف، جاب "الدراويش" المحافظات المصرية، بل والدول العربية، لجمع التبرعات لصالح المجهود الحربي وإعادة بناء القوات المسلحة.

كانت كتيبة الإسماعيلي بقيادة الأساطير "عثمان أحمد عثمان" والمدير الفني "علي عثمان"، ولاعبين بحجم "سيد بازوكا" و"علي أبو جريشة"، تلعب مباريات ودية في كل مكان، وكان العائد المادي يذهب مباشرة لخزينة الدولة لدعم الجيش المصري، مما جعل النادي أول مؤسسة رياضية تتحول لمصدر تمويل للمقاومة.

في عام 1969، وبينما كانت حرب الاستنزاف في ذروتها، حقق الإسماعيلي إنجازًا إعجازيًا بكونه أول نادٍ مصري وعربي يتوج بلقب دوري أبطال أفريقيا، لم يكن فوزًا رياضيًا فحسب، بل كان رسالة سياسية للعالم بأن "مصر ما زالت حية".. هتفت الجماهير في ستاد القاهرة "إسماعيلي.. إسماعيلي"، وكانت تلك الصرخة هي البروفة الأولى لروح "الله أكبر" التي زلزلت خط بارليف لاحقًا، هذا الفوز رفع الروح المعنوية للشعب والجنود المرابطين على الجبهة، وأكد أن الهزيمة العسكرية لن تكسر الإرادة المصرية.

عندما انطلقت شرارة العبور في أكتوبر 1973، كان لاعبو الإسماعيلي وجماهيره في طليعة الصفوف، لم يكتفِ النادي بدوره المعنوي، بل كان أبناء المدينة هم الأدلاء والعيون للقوات المسلحة في منطقة القناة بحكم معرفتهم التامة بجغرافيا الأرض.

يُذكر التاريخ أن تدريبات الفريق في القاهرة خلال سنوات التهجير كانت بمثابة تجمعات وطنية لشحذ الهمم، ومع تحقيق النصر، عاد الإسماعيلي إلى مدينته المحطمة، ليكون هو قاطرة إعادة الحياة، لم ينتظر اللاعبون ترميم الاستاد، بل ساهموا بأيديهم في إزالة الركام، مؤكدين أن النادي هو روح المدينة؛ إذا عاد الإسماعيلي، عادت الإسماعيلية.

إن تأثير النادي الإسماعيلي في حرب أكتوبر يتجاوز لغة الأرقام والبطولات؛ لقد كان "القوة الناعمة" التي ساندت "القوة الخشنة".. علم الإسماعيلي الجميع أن الانتماء للنادي هو فرع من الانتماء للوطن، واليوم، حين يمر مشجع أمام جدران النادي الإسماعيلي، فإنه لا يرى ملعبًا لكرة القدم فحسب، بل يرى صرحًا وطنيًا صمد أمام القصف، وناضل خلف الخطوط، واحتفل بالعبور كأنه صاحب الطلقة الأولى.

سيظل الإسماعيلي دائمًا هو "فاكهة الكرة المصرية" في السلم، و"درعها المتين" في الحرب، قصة عشق بدأت بالكرة، وتُوجت بدم العبور وروح النصر.