تحولات سياسية وميدانية تعيد تشكيل المشهد السوري

تشهد سوريا منذ الأحد 18 يناير 2026 واحدة من أخطر وأعمق لحظات التحول في تاريخها الحديث، بعدما أعلنت الحكومة السورية التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، منهية بذلك سنوات من الصراع العسكري والانقسام الجغرافي في شمال وشرق البلاد. هذا الاتفاق لم يأتِ كنتيجة تفاهم سياسي محدود، بل جاء عقب أسابيع من المواجهات العنيفة التي دفعت الأطراف إلى البحث عن صيغة تنهي النزاع وتعيد توحيد السيطرة على الأرض.

ويمثل الاتفاق نقطة فاصلة بين مرحلتين؛ الأولى اتسمت بالاقتتال المفتوح وتعدد مراكز القوة، والثانية تتجه نحو إعادة فرض سلطة الدولة السورية على كامل الجغرافيا، مع إدماج القوى العسكرية الخارجة عن بنيتها ضمن مؤسساتها الرسمية.

 

اتفاق وقف إطلاق النار: من المواجهة إلى الاندماج

ينص الاتفاق الموقع بين الجانبين على وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات في الشمال والشرق السوري، مع التزام «قسد» بالانسحاب المنظم إلى شرق نهر الفرات، وبدء عملية تسليم المواقع العسكرية والمقار الإدارية ومراكز السيطرة الحيوية إلى الجيش السوري ومؤسسات الدولة.

ولا يقتصر الاتفاق على البعد العسكري فقط، بل يتضمن مسارًا سياسيًا وأمنيًا أوسع، يقوم على دمج مقاتلي «قسد» ضمن صفوف الجيش السوري النظامي، وإعادة هيكلة مؤسساتها المدنية والعسكرية لتصبح جزءًا من البنية الرسمية للدولة. وفي هذا الإطار، من المقرر أن يصل قائد «قسد» مظلوم عبدي إلى دمشق لاستكمال التفاصيل الفنية للاندماج وتوقيع الوثائق التنفيذية النهائية مع القيادة السورية.

 

زلزال ميداني في الشمال والشرق السوري

على الأرض، أحدث الاتفاق تحولًا ميدانيًا وُصف بالزلزال العسكري، حيث بدأت وحدات من الجيش السوري منذ فجر الأحد عمليات تسلّم واسعة النطاق للمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة «قسد». ودخلت القوات الحكومية إلى مدينة الطبقة بريف الرقة من عدة محاور، وسط انسحاب منظم للقوات الكردية، بالتزامن مع بسط السيطرة الكاملة على سد الفرات وسد تشرين، وهما من أهم المنشآت الاستراتيجية المرتبطة بالمياه والكهرباء في سوريا.

وفي دير الزور، استعادت الدولة السورية السيطرة على حقل العمر النفطي، أكبر حقول النفط في البلاد، إضافة إلى حقل التنك، ما يمثل مكسبًا اقتصاديًا بالغ الأهمية بعد سنوات من خروج هذه الموارد عن سيطرة الحكومة. وقد رُصدت أرتال عسكرية تضم أكثر من 150 آلية مدرعة، انسحبت باتجاه العمق الشرقي لتأمين عمليات التسليم دون اندلاع اشتباكات جديدة.

 

الرقة ومنبج ودير الزور: انسحاب واسع وإعادة تموضع

شهدت مدن الرقة ومنبج وأجزاء من دير الزور انسحابًا تدريجيًا لعناصر «قسد»، بالتوازي مع دخول القوات الحكومية إلى المقار الأمنية والإدارية ورفع العلم السوري فوق المباني الرسمية. هذا التحرك ترافق مع حالة ترقب بين السكان، خاصة في بعض أحياء حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية، حيث سُجلت موجات نزوح محدودة خوفًا من أي تصعيد مفاجئ قبل تثبيت الاستقرار الأمني.

 

المرسوم الرئاسي رقم (13): تسوية تاريخية للملف الكردي

سياسيًا، تزامن الاتفاق مع إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، والذي اعتُبر وثيقة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الدولة السورية والمكون الكردي. المرسوم اعترف رسميًا بالأكراد السوريين بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، وضَمِن حقوقهم اللغوية والثقافية، واعتبر اللغة الكردية مكونًا من مكونات الهوية الثقافية السورية.

كما عالج المرسوم ملفات شائكة تعود إلى عقود، أبرزها قضايا الجنسية والمكتومين منذ إحصاء عام 1962، إضافة إلى اعتبار عيد النوروز جزءًا من التراث الوطني. ورغم الترحيب العام بهذه الخطوات، أكدت جهات كردية أن هذه الإجراءات تمثل بداية لمسار أطول، مطالبة بتثبيت هذه الحقوق في دستور ديمقراطي دائم.

 

الأبعاد الإقليمية والدولية للاتفاق

إقليميًا، رحبت تركيا بالاتفاق، معتبرة أنه يعزز وحدة سوريا وينهي مخاوفها الأمنية المرتبطة بوجود تشكيلات مسلحة كردية مستقلة على حدودها الجنوبية، وأبدت استعدادها للمشاركة في جهود إعادة الإعمار. في المقابل، تعاملت الولايات المتحدة بحذر مع التطورات، مشيدة بالمسار السياسي، مع استمرار ضرباتها الجوية ضد خلايا تنظيم «داعش» في البادية السورية، في وقت طلبت فيه «قسد» ضمانات دولية لحماية المسار السياسي الجديد.

وعلى خط موازٍ، كشفت مصادر عن مشاركة وفد سوري في مفاوضات لإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بهدف المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل ديسمبر 2024، في ظل تغير المعادلات الميدانية جنوب البلاد.

 

الوضع الإنساني والاقتصادي: انفراج محدود وتحديات هائلة

رغم أهمية التحول السياسي، لا يزال الوضع الإنساني في سوريا بالغ التعقيد، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 16 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026. وتواجه الحكومة تحديات كبيرة في إعادة الخدمات الأساسية إلى المدن التي عادت حديثًا لسيطرتها، خاصة في ظل انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة.

اقتصاديًا، تمثل استعادة السيطرة على آبار النفط والغاز فرصة لإطلاق مرحلة تعافٍ تدريجي، حيث أعلنت الحكومة رفع سقف السحب اليومي من المصارف لتخفيف الضغط النقدي، مع توجيه الموارد الجديدة لدعم الكهرباء والوقود. كما بدأت دمشق تنسيقًا مع شركاء إقليميين، من بينهم السعودية والإمارات، لبحث ملفات إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد.

 

خسائر المعارك قبل الاتفاق

الحرب التي سبقت الاتفاق اتسمت بموجات متقطعة من الاشتباكات العنيفة، وسط صعوبة في توثيق الخسائر بدقة. وتشير تقديرات غير رسمية إلى سقوط نحو 300 قتيل من مختلف الأطراف خلال الأسابيع الأخيرة، إضافة إلى تدمير واسع في البنية التحتية والمعدات العسكرية، خاصة في الرقة وحلب ودير الزور. وتبقى هذه الأرقام تقديرية في ظل غياب بيانات رسمية نهائية.

 

سوريا أمام اختبار ما بعد السلاح

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تقف سوريا أمام اختبار تاريخي يتجاوز إنهاء القتال، نحو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة من السيطرة المركزية والمواطنة الجامعة. وبين الآمال الكبيرة والتحديات الثقيلة، ستحدد قدرة الحكومة على إدارة هذا التحول دون انتكاسات، مستقبل البلاد في السنوات المقبلة.