رغم قلة الإصدارات في الجناح السوداني بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، إلا أن ما تقدمه هذه الكتب يلقي الضوء على تاريخ السودان المضطرب، الذي شهد صراعات سياسية متكررة وأزمات متلاحقة. الكتب المعروضة تشير بشكل واضح إلى أن السودان كان دائمًا محور النزاعات والصراعات الداخلية، من انقلاب 19 يوليو 1971 إلى التحولات الحديثة بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".
ثورة 19 يوليو 1971: تراجيديا الدم والدموع
في 19 يوليو 1971، شهد السودان انقلابًا قصير الأمد قاده الرائد هاشم العطا، أحد الضباط الأحرار الذين نفذوا انقلاب مايو 1969، وأحد أعضاء الحزب الشيوعي السوداني. جاء هذا الانقلاب في سياق صراع طويل بين نظام الرئيس جعفر نميري والجناح الشيوعي الوطني، الذي كان يسعى لتعزيز نفوذه في السلطة بعد أن تقلص دوره نتيجة إجراءات نميري ضد الشيوعيين.
استولى العطا على القصر الجمهوري واعتقل نميري وأعضاء مجلس قيادة الثورة، مشكلاً مجلسًا ثوريًا من سبعة أعضاء لإدارة شؤون البلاد. وفي حين بدا الانقلاب ناجحًا في البداية، إلا أنه لم يحظَ بدعم واسع داخليًا أو خارجيًا، وسط معارضة شرسة من القوات الموالية لنميري والدول المجاورة مثل مصر وليبيا، حيث تدخلت الأخيرة لمنع وصول أحد قادة الانقلاب من لندن إلى الخرطوم.
خلال ثلاثة أيام فقط، فشل الانقلاب، وتم تنفيذ انقلاب مضاد أعاد نميري إلى السلطة، فيما أعدم العطا وعدد من قادة الانقلاب، واعتقل المئات من الشيوعيين والعسكريين المرتبطين به. كان المشهد السوداني في تلك الأيام مليئًا بالعنف الدموي، إذ ارتكبت جرائم إعدامات واعتقالات جماعية، لتصبح هذه الفترة واحدة من أكثر فترات السودان الدموية في القرن العشرين.
الانقلاب لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كان أيضًا صراعًا أيديولوجيًا بين شيوعيين ومعارضة محافظة، وقد كشف عن هشاشة التوافق السياسي في السودان بعد انقلاب مايو 1969، وعن تداخل مصالح القوى العسكرية والأحزاب السياسية في صياغة مستقبل البلاد. هذا ما أبرزه الكتاب "19 يوليو: تراجيديا الدم والدموع" لكمال الدين إدريس حس الطيب، الذي وصف تلك الأحداث بأنها أيام الدم والدموع، حيث غرق السودان في فوضى سياسية وعنف لم يسبق للسودانيين مشاهدته.
في تحليل الكتاب، يسلط الكاتب الضوء على الانقسامات الداخلية في المجتمع السوداني بين مؤيد لحكم العسكر حفاظًا على مصالحه وبين مؤمن بالتداول السلمي للسلطة، مشيرًا إلى أن الشعب السوداني كان مجبرًا على الانتظار، على أمل أن يفي نميري بوعوده للنهوض بالوطن، لكن الانقلاب الثلاثي أيام يوليو قلب هذه الآمال إلى مأساة.
الكتاب يقدم سردًا معمقًا عن محاولات الشيوعيين لتعزيز حضورهم السياسي، والصراع على النقابات والمنظمات الطلابية، والسياسات الخارجية التي اتبعتها حكومة نميري لاحتواء الدعم الدولي للانقلاب، بما في ذلك التحركات المصرية والليبية، ودور العراق كداعم وحيد للانقلاب الجديد. كل ذلك يجعل من أحداث يوليو 1971 درسًا في هشاشة السلطة وتداعيات الصراعات الأيديولوجية على مسار التاريخ السوداني.
محمد حمدان حميدتي: ابن ميتين خرب السودان
بعد عقود من الانقلابات والفوضى السياسية، ظهر على المشهد السوداني قائد مسلح مثير للجدل، هو الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ حميدتي. وُلد حميدتي عام 1975 في قبيلة الرزيقات بإقليم دارفور، وعمل منذ سن الخامسة عشر في تجارة الإبل وحماية القوافل بين ليبيا ومالي وتشاد، قبل أن يصبح أحد أقوى الشخصيات العسكرية والسياسية في السودان الحديث.
صعوده كان مدفوعًا بالميليشيات المسلحة والولاءات القبلية، وارتباطه بالثروات الطبيعية مثل الذهب، ما جعله لاعبًا خطيرًا في السياسة السودانية بعد البشير. قواته، قوات الدعم السريع، اتهمت بارتكاب جرائم حرب ومجازر في دارفور، من تهجير قسري وقتل جماعي، ما تسبب في خراب مناطق واسعة من السودان وخلق أزمات إنسانية واجتماعية ضخمة.
بحلول الثورة السودانية في ديسمبر 2018، لعب حميدتي دورًا مركزيًا في الانتقال السياسي، إذ أصبح نائبًا لرئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد الإطاحة بالبشير، بينما كانت قواته تواصل إسكات المتظاهرين بالقوة، متورطة في أحداث فض الاعتصام في يونيو 2019، التي أودت بحياة أكثر من 120 شخصًا، في واحدة من أبشع فصول الثورة الحديثة في السودان.
نفوذه امتد إلى السياسة الإقليمية، حيث أرسل قواته للمشاركة في حرب اليمن دعماً للتحالف العربي، وكان طرفًا في محاربة الهجرة غير الشرعية لصالح الاتحاد الأوروبي، وسط اتهامات متكررة بانتهاكات حقوق الإنسان.
الكتاب "البدوي الذي ابتلع الخرطوم" يرصد تطور حميدتي منذ ظهوره العلني عام 2013 وحتى 2025، موضحًا كيف استغل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتعزيز قوته، وكيف أن شخصيته وأفعاله كانت سببًا في تفاقم أزمات السودان الحالية، وجعلت منه رمزًا للفساد المسلح والخراب السياسي.
السودان بين الماضي والحاضر: دروس من التاريخ والتحولات الحديثة
الجناح السوداني في معرض القاهرة الدولي للكتاب يكشف عبر هذه الكتب عن مراحل تاريخية متشابكة: من الانقلابات العسكرية الدموية في يوليو 1971، إلى صعود ميليشيات مسلحة وشخصيات كحميدتي، التي شكلت تحولات عميقة في السياسة والمجتمع السوداني. تُظهر الروايات كيف أن الصراعات المسلحة والسيطرة على الموارد، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، كانت دائمًا جزءًا من التركيبة السودانية المعقدة، وأن تجربة السودان الحديثة ما زالت تقدم دروسًا مهمة حول السلطة، العنف، والشعبوية المسلحة.
بهذا السرد، يمكن للقارئ أن يفهم ليس فقط الأحداث التاريخية، ولكن أيضًا التحولات العميقة في الهوية السياسية والسوسيولوجية للسودان، مع قراءة تحليلية تربط الماضي بالحاضر، وتكشف القوى والدوافع التي لا تزال تشكل هذا البلد حتى اليوم.
