قالت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة الاقتصادية، إن الارتفاع التاريخي في الطلب العالمي على الذهب خلال عام 2025 يعكس تحولًا واضحًا في خريطة الاستثمار العالمية، ويؤكد أن المعدن النفيس عاد ليتصدر أدوات التحوط الرئيسية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة في العملات التقليدية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.
وأضافت أن تسجيل الطلب العالمي على الذهب مستوى قياسيًا بلغ أكثر من 5000 طن يعكس حالة قلق متزايدة لدى المستثمرين من مستقبل الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل استمرار الصراعات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وعدم اليقين المرتبط بالسياسات النقدية للدول الكبرى، وهو ما دفع المستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة وأداة تحوط طويلة الأجل.
وأوضحت د. شيماء وجيه أن الارتفاع القوي في أسعار الذهب، والذي تجاوز 64% خلال عام واحد، لا يُعد صعودًا مضاربيًا مؤقتًا، بل يعكس تغيرًا هيكليًا في الطلب العالمي، مدفوعًا بتزايد الإقبال على صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب والسبائك والعملات، في ظل تراجع جاذبية الأصول عالية المخاطر، وارتفاع مستويات عدم اليقين في الأسواق العالمية.
وأشارت إلى أن التدفقات القياسية التي شهدتها صناديق الذهب المتداولة، والتي تجاوزت 800 طن خلال عام واحد، تعكس بوضوح انتقال شريحة واسعة من المستثمرين المؤسسيين إلى الذهب كأداة رئيسية لإدارة المخاطر، خاصة مع تصاعد القلق بشأن مستويات الدين الأمريكي، وتذبذب الرؤية المستقبلية للسياسة النقدية، وتراجع الثقة في قدرة الدولار على الحفاظ على قوته كعملة ملاذ.
وأكدت أن القفزة الكبيرة في الطلب الاستثماري على الذهب، والتي تجاوزت 2100 طن، تمثل مؤشرًا واضحًا على أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ وقت الأزمات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في المحافظ الاستثمارية العالمية، في ظل سعي المستثمرين لتحقيق التوازن بين العائد والأمان.
وفي المقابل، أوضحت د. شيماء وجيه أن تراجع الطلب على المشغولات الذهبية بنسبة ملحوظة، خاصة في الأسواق الكبرى مثل الصين، يعكس الأثر المباشر لارتفاع الأسعار القياسية، حيث أدى ذلك إلى إحجام المستهلك النهائي عن الشراء، مقابل تصاعد دور الاستثمار المؤسسي، وهو ما يؤكد أن محرك السوق الرئيسي في المرحلة الحالية هو الاستثمار وليس الاستهلاك.
وأضافت أن تباطؤ مشتريات البنوك المركزية من الذهب، رغم بقائها عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، لا يعكس تراجعًا في الثقة بالمعدن الأصفر، بقدر ما يعكس رغبة في إعادة التوازن بعد موجات شراء قوية خلال الأعوام السابقة، مؤكدة أن مستويات الشراء لا تزال أعلى بكثير من متوسطات ما قبل عام 2022.
وشددت على أن استمرار الطلب القوي على الذهب خلال عام 2026 سيظل مرهونًا بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها تطورات الأوضاع الجيوسياسية، واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية، ومستوى الثقة في الدولار، إضافة إلى مسار التضخم العالمي، مشيرة إلى أن أي تصعيد سياسي أو تباطؤ اقتصادي عالمي جديد سيصب مباشرة في صالح الذهب.
واختتمت د. شيماء وجيه تصريحها بالتأكيد على أن ما يشهده سوق الذهب حاليًا يعكس تحولًا استراتيجيًا في سلوك المستثمرين عالميًا، حيث بات الذهب يُنظر إليه ليس فقط كملاذ آمن، بل كأصل استثماري رئيسي في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر وتراجع اليقين، وهو ما يرجح استمرار قوة الطلب عليه خلال المرحلة المقبلة، حتى مع احتمالات حدوث تصحيحات سعرية مؤقتة.
