يتميّز استقبال شهر رمضان في موريتانيا بطابع خاص يمزج بين التقاليد الدينية العميقة والعادات الاجتماعية المتوارثة، حيث يحلّ الشهر الفضيل وسط أجواء عامرة بالفرح والابتهاج، رغم ما يشهده المجتمع من اختلافات في تحديد موعد بدايته. ورغم تباين الآراء، يبقى رمضان مناسبة جامعة تتجلى فيها روح التآلف والتراحم بين الموريتانيين.

اختلاف حول رؤية هلال رمضان في موريتانيا

يُعد اختلاف الموريتانيين في تحديد بداية شهر رمضان من أبرز السمات التي تميز استقبالهم لهذا الشهر المبارك. فعلى الرغم من تعيين الدولة لجنة رسمية لمراقبة الأهلة والإعلان عن ثبوت رؤية الهلال، فإن فئة من المواطنين تفضّل الاعتماد على الرؤية الشخصية أو شهادة من يثقون بعدالتهم وتقواهم.

وفي المقابل، يميل آخرون إلى إتمام شهر شعبان ثلاثين يومًا عند تعذّر رؤية الهلال، وهو ما يعكس تنوّع الاجتهادات الفقهية داخل المجتمع الموريتاني. ورغم هذا التباين، يستقبل الجميع الشهر بروح واحدة تسودها المودة، وتتردد عبارات التهنئة مثل: «مبارك عليكم رمضان» و«الله يعيننا على صيامه وقيامه»، في مشهد يجسد الأجواء الإيمانية التي ترافق قدوم الشهر الكريم.

مساعدات رسمية وخيرية لدعم الصائمين

على المستوى الرسمي، تكثّف السلطات في موريتانيا جهودها لدعم الصائمين خلال شهر رمضان، إذ تُسيّر عشرات الشاحنات المحمّلة بالمواد الغذائية الأساسية، من تمور وأرز وقمح وسكر، إلى مختلف ولايات البلاد.

وتُوزّع هذه المساعدات داخل المساجد بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، خصوصًا الفئات الأكثر احتياجًا. كما تنشط الجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية في تقديم العون الإنساني، لا سيما للمرضى داخل المستشفيات، في صورة تعبّر بوضوح عن قيم التكافل والتضامن الاجتماعي التي تتجلى بقوة خلال شهر الصيام.

عادات رمضانية خاصة بالمجتمع الموريتاني

تتفرّد موريتانيا بعدد من العادات الرمضانية التي تعكس عمق ارتباط شعبها بالشعائر الدينية. ومن أبرز هذه العادات متابعة صلاة التراويح منقولة مباشرة من الحرمين الشريفين، مستفيدين من فارق التوقيت الذي يصل إلى نحو ثلاث ساعات، ما يمنحهم شعورًا روحانيًا وكأنهم يشاركون المصلين هناك.

كما يحرص بعض الموريتانيين على تسجيل أصوات الأئمة المشهورين وتقليد تلاواتهم، في دلالة واضحة على تعلّقهم بالقرآن الكريم وحرصهم على تحسين أدائهم في التلاوة.

وتنتشر خلال الشهر الفضيل مجالس العلم في المساجد والمنازل، حيث تُدرَّس كتب التفسير والحديث الشريف، وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويتولى هذه الدروس الأئمة وطلبة العلم والدعاة، ما يعزّز الأجواء الإيمانية ويرسّخ الثقافة الدينية داخل المجتمع.

عادات غذائية رمضانية متوارثة في موريتانيا

يحافظ الموريتانيون على سنة السحور باعتبارها وجبة أساسية خلال شهر رمضان، وتُعد وجبة «العيش» أشهر أطباق السحور لديهم، وهي المعروفة في بلدان أخرى باسم «العصيدة».

ويبدأ الصائمون إفطارهم بتناول التمر اقتداءً بالسنة النبوية، ثم يتناولون حساءً ساخنًا يرونه أكثر ملاءمة للمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة. ويُعتبر مشروب «الزريك» من أشهر المشروبات الرمضانية في موريتانيا، وهو خليط من اللبن الحامض والماء والسكر.

كما تُعد التمور المدعوقة بالزبد الطبيعي من أبرز الحلويات التقليدية خلال الشهر الكريم. أما الوجبة الرئيسية، فتتكوّن غالبًا من اللحم والبطاطس والخبز، ويختلف توقيت تناولها بين من يفضلها مباشرة بعد الإفطار ومن يؤجلها إلى ما بعد صلاة التراويح.

ويظل الشاي الأخضر حاضرًا بقوة في ليالي رمضان، إذ يرافق الموريتانيين طوال السهرات، ويُعد جزءًا أصيلًا من طقوسهم اليومية خلال الشهر الفضيل.

ختم القرآن.. روحانية تملأ المساجد

تُقام صلاة التراويح في مختلف مساجد موريتانيا، وتُؤدى في معظمها ثماني ركعات، مع حرص الغالبية العظمى من السكان على أدائها في المساجد، بينما يفضّل كبار السن أداءها في منازلهم.

ويختلف موعد ختم القرآن الكريم من مسجد إلى آخر؛ إذ تختم بعض المساجد المصحف الشريف في ليلة السابع والعشرين من رمضان، فيما تمتد الختمات في مساجد أخرى حتى الليلة الثلاثين. كما تشهد بعض المساجد ختم القرآن ثلاث مرات خلال الشهر الفضيل، في صورة تعبّر عن عمق الارتباط الروحي للموريتانيين بالقرآن الكريم وأجواء العبادة في رمضان.