يحلّ شهر رمضان على المسلمين في السويد بطقوس استثنائية وتجربة مختلفة، تفرضها الطبيعة الجغرافية للبلاد الواقعة في أقصى شمال أوروبا، حيث يعيش أكثر من نصف مليون مسلم. ومع طول ساعات النهار خلال فصل الصيف، لا يكاد الصائمون ينتهون من وجبة الإفطار حتى يبدأوا الاستعداد للسحور، في مشهد يعكس خصوصية الصيام في هذا البلد الإسكندنافي.
ساعات صيام طويلة بسبب ظاهرة فلكية
تُعد السويد من الدول التي تشهد ظاهرة فلكية مميزة خلال فصل الصيف، إذ لا تغرب الشمس في معظم مناطقها سوى لبضع ساعات، بينما لا تغيب نهائيًا عن بعض المناطق الشمالية.
وبسبب هذه الظاهرة الطبيعية، تختلف ساعات الصيام من منطقة إلى أخرى داخل البلاد. ففي أقصى الجنوب، وتحديدًا في مدينة مالمو، تصل مدة الصيام إلى نحو 18 ساعة يوميًا، بينما ترتفع في أقصى الشمال لتصل إلى ما يقارب 22 ساعة في مدينة كيرونا، ما يجعل تجربة الصيام هناك من الأطول في العالم الإسلامي.
العمل في رمضان دون استثناءات قانونية
ورغم المشقة الناتجة عن طول ساعات الصيام، لا تتضمن القوانين السويدية أي استثناءات أو تخفيضات رسمية لساعات العمل خلال شهر رمضان.
هذا الواقع يدفع بعض المسلمين، خصوصًا في شمال البلاد، إلى البحث عن حلول فقهية مناسبة للتعامل مع طول النهار. فهناك من يلجأ إلى الصيام وفق توقيت بلدانهم الأصلية، بينما يعتمد آخرون توقيت مدينة مالمو باعتبارها الأقل من حيث عدد ساعات الصيام داخل السويد.
كما يختار فريق آخر الصيام وفق توقيت مكة المكرمة أو تركيا، باعتبارهما أقرب منطقتين إسلاميتين جغرافيًا إلى شمال أوروبا. ومع ذلك، يلتزم الغالبية العظمى من المسلمين في السويد بالصيام وفق التوقيت المحلي لأوقات الصلاة في مناطقهم، متحملين مشقة الساعات الطويلة إيمانًا واحتسابًا، وحرصًا على أداء هذه العبادة في وقتها.

نشاط مكثف للمراكز الإسلامية والجمعيات



مع حلول شهر رمضان، تكثّف الجمعيات والمراكز الإسلامية في السويد نشاطاتها الدينية والاجتماعية، حيث تنظم العديد من الفعاليات التي تعزز الأجواء الرمضانية بين أفراد الجالية المسلمة.
وتشمل هذه الأنشطة إقامة الدروس الدينية، وتنظيم صلاة التراويح داخل المساجد والمراكز الإسلامية، إلى جانب إقامة موائد الإفطار الجماعية التي تجمع المسلمين من مختلف الجنسيات. كما تنظم بعض المؤسسات فعاليات موجهة للمجتمع السويدي للتعريف بالإسلام وثقافته، وتعزيز قيم التعايش والتفاهم بين الثقافات المختلفة.

حرية بناء المساجد ومسجد ستوكهولم الكبير الأبرز


تكفل القوانين السويدية حرية العبادة لجميع الأديان، بما في ذلك حق المسلمين في بناء المساجد في مناطق تواجدهم أو في أي مكان يرغبون في تشييدها فيه.
ومع تزايد أعداد الوافدين العرب والمسلمين خلال العقود الماضية، انتشرت المساجد والمراكز الإسلامية في مختلف المدن السويدية. ويُعد مسجد ستوكهولم الكبير أبرز هذه المعالم الدينية، حيث يُعد الأكبر على مستوى البلاد.
وقد شُيّد المسجد بدعم من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة السابق، ليصبح أحد أبرز رموز الحضور الإسلامي في السويد ومركزًا مهمًا للأنشطة الدينية والثقافية للجالية المسلمة.

تنوع الجاليات ينعكس على موائد الإفطار


ينتمي المسلمون في السويد إلى جنسيات وخلفيات ثقافية متعددة، من أبرزها البوسنة وتركيا والعراق وإيران ومصر والجزائر والمغرب وسوريا.
وينعكس هذا التنوع الثقافي بوضوح خلال شهر رمضان، حيث تحرص كل جالية على إحياء عاداتها وتقاليدها الرمضانية الخاصة، ما يضفي على الأجواء الرمضانية طابعًا غنيًا ومتعدد الثقافات.
وخلال الشهر الفضيل تنتشر في الأسواق والمنازل الحلويات الشرقية مثل القطايف والبقلاوة، إلى جانب المشروبات التقليدية كـالخروب والعرقسوس، فضلًا عن التمور المحشوة بالمكسرات التي تحضر بقوة على موائد الإفطار، لما توفره من طاقة يحتاجها الصائمون في ظل ساعات الصيام الطويلة.

رمضان بروح التحدي والتعايش


رغم قسوة الظروف المناخية وطول ساعات النهار، يظل شهر رمضان في السويد مناسبة روحانية واجتماعية مميزة لدى المسلمين.
فهو يجمع بين الالتزام الديني، والتنوع الثقافي، وروح التعايش التي يتميز بها المجتمع السويدي، ليقدم نموذجًا فريدًا لتجربة الصيام في أقصى شمال العالم، حيث تتلاقى التقاليد الإسلامية مع واقع جغرافي ومجتمعي مختلف.