أكد الخبير الاقتصادي رؤوف حسين أن بعض اللحظات التاريخية لا تُكتب بالحبر فقط، وإنما تُحفر في ذاكرة الشعوب بما تحمله من مشاعر الخوف والأمل، والألم والإرادة، والانكسار وبدايات النهوض، مشيرًا إلى أن ثورة 30 يونيو 2013 كانت واحدة من تلك المحطات الفارقة التي أعادت للمصريين طرح السؤال الأهم: هل تبقى الدولة؟ وهل يعود الأمان؟ وهل يستطيع هذا الوطن، الذي أثقلته الأزمات والاضطرابات، أن يستعيد توازنه وينطلق نحو المستقبل؟
وقال حسين، في تصريحات خاصة لموقع «خمسة سياسية»، إن مصر لم تكن في صيف عام 2013 تواجه أزمة سياسية عابرة، بل كانت تقف أمام منعطف وجودي، في ظل تمدد الإرهاب في سيناء، وتراجع المؤشرات الاقتصادية، واقتراب الاحتياطي النقدي من مستويات حرجة، وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن أزمة انقطاع الكهرباء وتراجع كفاءة الخدمات العامة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وأضاف أن المواطن المصري آنذاك لم يكن يبحث عن الرفاهية، وإنما كان يتطلع إلى استعادة الشعور بالأمان، ووجود دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين الشارع، واستمرار عمل المصانع، وانتظام الدراسة، وتقديم خدمات صحية تلبّي الحد الأدنى من احتياجاته، وهو ما جعل ثورة 30 يونيو تمثل لحظة لاستعادة الدولة والهوية الوطنية قبل أن تكون مجرد حراك سياسي.
وأوضح أن مرور ثلاثة عشر عامًا على الثورة يمنح فرصة لقراءة مسار الدولة المصرية، التي انتقلت من مرحلة إنقاذ مؤسساتها إلى مرحلة بناء الجمهورية الجديدة، في مشروع تنموي يستهدف وضع الإنسان في قلب عملية التنمية باعتباره محورًا رئيسيًا لكافة السياسات.
استعادة الأمن.. الركيزة الأولى لبناء الدولة
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن استعادة الأمن كانت المدخل الأساسي لأي مشروع تنموي، مؤكدًا أن الدولة التي تفتقد الاستقرار لا تستطيع جذب الاستثمارات أو تحقيق التنمية، كما أن المواطن الذي يعيش في حالة من الخوف لا يمكنه التخطيط لمستقبله أو المشاركة في عملية البناء.
وأوضح أن شبه جزيرة سيناء كانت تمثل التحدي الأمني الأكبر خلال السنوات الأولى بعد ثورة 30 يونيو، بعدما تحولت إلى ساحة مواجهة مع التنظيمات الإرهابية التي استهدفت القوات المسلحة والشرطة والمدنيين، في محاولة للنيل من استقرار الدولة ومؤسساتها.
وأضاف أن الدولة تعاملت مع هذا الملف باعتباره معركة وجود، وليس مجرد مواجهة أمنية، وهو ما انعكس في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، من بينها عملية «حق الشهيد»، ثم العملية الشاملة «سيناء 2018»، التي استهدفت القضاء على البؤر الإرهابية، وتدمير أوكارها، وضبط كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات، والقبض على العناصر المطلوبة، في إطار خطة متكاملة لاستعادة الأمن وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.
وأكد حسين أن نجاح الدولة لم يتوقف عند استعادة الأمن، بل امتد إلى إطلاق خطة تنموية شاملة في سيناء ومدن القناة، باستثمارات بلغت نحو 700 مليار جنيه، في رسالة تؤكد أن التنمية تمثل الضمانة الحقيقية لترسيخ الاستقرار، وأن تعمير الأرض لا يقل أهمية عن حمايتها.
وأشار إلى أن أنفاق «تحيا مصر» أسفل قناة السويس، التي بلغت تكلفتها نحو 11.5 مليار جنيه، بمشاركة أكثر من ثلاثة آلاف مهندس وفني وعامل، جسدت رؤية الدولة لربط سيناء بباقي أنحاء الجمهورية، ليس فقط من الناحية الجغرافية، وإنما اقتصاديًا وتنمويًا أيضًا.
الاقتصاد.. من مرحلة الإنقاذ إلى استعادة الثقة
وأوضح رؤوف حسين أن الاقتصاد المصري كان يمر في عام 2013 بواحدة من أصعب مراحله، حيث سجل معدل النمو الحقيقي نحو 2.1% فقط، بينما بلغت البطالة 13.2%، بما يعادل نحو 3.6 مليون متعطل، في وقت كانت فيه الدولة مطالبة بتوفير فرص العمل والحفاظ على استقرار الأسواق رغم محدودية الموارد.
وأضاف أن برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي بدأ تطبيقه عام 2016، كان من أكثر القرارات صعوبة في تاريخ الاقتصاد المصري، لما فرضه من تحديات على المواطنين، إلا أنه أسهم في إعادة بناء المؤشرات الاقتصادية، واستعادة ثقة المؤسسات الدولية، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ مشروعات البنية التحتية والتنمية.
وأشار إلى أن نتائج تلك الإصلاحات بدأت في الظهور تدريجيًا، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 288 مليار دولار عام 2013 إلى ما يقرب من 430 مليار دولار في عام 2026، فيما قفز صافي الاحتياطيات الدولية إلى 53.1342 مليار دولار بنهاية مايو 2026، مقارنة بنحو 14.9 مليار دولار في يونيو 2013.
وأكد أن هذا التطور لم يكن مجرد أرقام اقتصادية، وإنما وفر للدولة مساحة أكبر للتعامل مع الأزمات العالمية، سواء المرتبطة بالحروب أو تقلبات أسعار الطاقة أو اضطرابات سلاسل الإمداد، بعدما أصبحت تمتلك احتياطيًا نقديًا يوفر قدرًا أكبر من الاستقرار والمرونة في مواجهة المتغيرات.
تحسن مؤشرات سوق العمل واستهداف خفض التضخم
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن سوق العمل شهد تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، حيث تراجع معدل البطالة من 13.2% عام 2013 إلى 6% خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يعكس نجاح السياسات الاقتصادية في خلق فرص عمل جديدة، رغم الزيادة المستمرة في عدد السكان واتساع قوة العمل.
وأضاف أن الاقتصاد المصري واجه خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا تضخمية نتيجة تداعيات الأزمات العالمية، إلا أن البنك المركزي المصري يتوقع استمرار تراجع معدلات التضخم خلال عام 2026، مستهدفًا الوصول إلى 7% بنهاية الربع الرابع من العام، مع توقعات بأن يبلغ متوسط التضخم نحو 12% خلال العام المالي 2025/2026، قبل أن ينخفض إلى 9% خلال العام المالي التالي.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة مسار الإصلاح، وتحقيق التوازن بين الحفاظ على معدلات النمو، واحتواء الضغوط التضخمية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، بما يدعم خطط الدولة في استكمال مسيرة التنمية خلال السنوات المقبلة.
نوصي بقراءة: النائب عصام هلال: دراسة الأثر التشريعي لقانون الشركات تدعم التنمية الاقتصادية وتعد من أقوى الدراسات المقدمة للبرلمان
