لم يكد امتحان الكيمياء لطلاب الشعبة العلمية بالثانوية العامة ينتهي، حتى تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة احتجاج طلابية واسعة. عبارات مثل «الوقت لم يكفِ»«الأسئلة أثقل من المستوى المعتاد» تصدرت التريند، فيما وثقت بعض اللجان، خاصة في Alexandria، مشاهد بكاء وانهيار لطلاب خرجوا من القاعات وهم يشعرون بأن سنوات من المذاكرة قد لا تنعكس على درجاتهم النهائية.
لكن اللافت أن هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح يتكرر سنويًا مع مادة أو أكثر، ما يعيد طرح سؤال أكثر عمقًا: هل الأزمة في امتحان الكيمياء هذا العام، أم في فلسفة الثانوية العامة نفسها؟
ماذا حدث في امتحان الكيمياء؟
أدى نحو 921 ألف طالب وطالبة امتحان الكيمياء يوم الخميس 2 يوليو 2026، بالتزامن مع امتحان الجغرافيا للشعبة الأدبية. وبمجرد انتهاء زمن الامتحان، تصاعدت شكاوى الطلاب بشأن طول الامتحان وصعوبة عدد من الأسئلة، خاصة المسائل الحسابية التي احتاجت وقتًا أطول للتحليل والحل.
وفي المقابل، أوضحت مصادر بوزارة التربية والتعليم أن المركز القومي للامتحانات أكد مطابقة الامتحان للمواصفات الفنية المعتمدة، مشيرًا إلى أن 22 سؤالًا من أصل 46 جاءت مطابقة أو قريبة جدًا من النماذج الاسترشادية المعلنة مسبقًا.
كما أوضح أن توزيع الأسئلة راعى الفروق الفردية بين الطلاب، بحيث خُصص نصف الدرجة لأسئلة مباشرة، و30% لأسئلة متوسطة، بينما خُصصت النسبة المتبقية للأسئلة التمييزية للطلاب المتفوقين.
ورغم ذلك، رأى عدد من المدرسين المتخصصين أن الامتحان كان طويلًا ويحتاج إلى وقت أكبر من الزمن المحدد، مؤكدين أن مستوى بعض الأسئلة تجاوز المتوقع.
أزمة تتكرر كل عام
المشكلة لا تبدو مرتبطة بمادة الكيمياء وحدها، بل بطبيعة نظام يعتمد بصورة شبه كاملة على امتحانات مصيرية قصيرة المدى تُحدد مستقبل الطالب الجامعي خلال أسابيع محدودة.
في هذا النظام، تتحول كل مادة إلى معركة فاصلة؛ درجة واحدة قد تغيّر المسار الجامعي بالكامل، وأي ارتباك نفسي أو سوء إدارة للوقت قد ينعكس على مستقبل الطالب بصورة يصعب تعويضها.
هذا النمط يتكرر سنويًا: شكاوى من الطلاب، ورد رسمي يؤكد مطابقة الامتحان للمواصفات، ثم ينتهي الجدل دون مراجعة جذرية لآلية التقييم.
هل تتجه الدولة لإصلاح حقيقي؟
خلال السنوات الماضية أعلنت وزارة التربية والتعليم خططًا لإعادة هيكلة المرحلة الثانوية، تشمل تطوير المناهج، ودمج بعض المواد، والتركيز على المهارات التطبيقية مثل البرمجة واللغات.
لكن على مستوى فلسفة الامتحانات، لم يحدث تغيير جوهري حتى الآن. فما زال نظام التقييم قائمًا على امتحان نهائي شديد الحساسية، دون آليات فعالة لتحسين المجموع أو توزيع الضغط على العام الدراسي بالكامل.
صحيح أن الوزارة اتخذت خطوات تنظيمية وأمنية مهمة، مثل نظام التجمعات الامتحانية وتشديد الرقابة داخل اللجان، لكن هذه الإجراءات تستهدف ضبط الامتحانات أكثر من معالجة أصل الأزمة.
بين التطوير والحذر
يرى تربويون وأولياء أمور أن الحل يكمن في تقليل الاعتماد على امتحان واحد يحدد مصير الطالب بالكامل، عبر توزيع التقييم على العام الدراسي، أو منح أكثر من فرصة لتحسين المجموع، بما يخفف الضغط النفسي الهائل على الطلاب.
في المقابل، يرى آخرون أن التغيير المتكرر في قواعد الثانوية العامة قد يزيد الارتباك، وأن الأولوية يجب أن تكون لتحسين جودة الأسئلة وضبط الزمن المخصص للإجابة.
في النهاية، أعاد امتحان الكيمياء طرح سؤال مؤجل منذ سنوات: هل تحتاج الثانوية العامة إلى تعديل في تفاصيلها فقط، أم أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في المنظومة بالكامل؟
