في الوقت الذي يحيي فيه العالم، في 11 يوليو من كل عام، اليوم العالمي للسكان، تأكيدًا على أهمية صون حقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في السكن الآمن والعيش بكرامة، تبدو هذه المبادئ بعيدة المنال بالنسبة لملايين الفلسطينيين واللبنانيين الذين يعيشون واقعًا مختلفًا فرضته سنوات من النزوح القسري والتهجير نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية.
فبينما تدعو الأمم المتحدة إلى ضمان حق كل إنسان في حياة مستقرة وآمنة، يواصل آلاف الأسر في جنوب لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية التنقل من مكان إلى آخر بحثًا عن مأوى، وسط تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، وتراجع فرص العودة إلى مناطقهم الأصلية.
جنوب لبنان.. نزوح يتجدد مع استمرار المواجهات
تحول جنوب لبنان خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق تأثرًا بالنزوح الداخلي، مع تصاعد المواجهات العسكرية على الحدود، وما تبعها من موجات متلاحقة من إخلاء القرى والبلدات.
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تجاوز عدد النازحين من جنوب لبنان 110 آلاف شخص حتى منتصف أغسطس 2024، فيما شكل الأطفال نحو 35% من إجمالي النازحين، ما يعكس حجم التأثير الإنساني الذي طال الفئات الأكثر هشاشة.
ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية في أواخر عام 2024، سجل المركز الدولي لرصد النزوح (IDMC) نحو 1.1 مليون حركة نزوح داخلية في لبنان خلال العام نفسه، بينما بلغ عدد الأشخاص الذين ظلوا في حالة نزوح داخلي مع نهاية العام قرابة 985 ألف شخص، وهو أعلى مستوى يسجله لبنان منذ بدء توثيق هذه البيانات عام 2009.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ واصلت منظمة الهجرة الدولية (IOM) رصد تحركات السكان خلال عام 2025، مع استمرار النزوح الناتج عن التوترات الأمنية في الجنوب. وحتى 17 يونيو 2026، سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة وجود 844 ألفًا و243 نازحًا داخليًا في مختلف أنحاء لبنان، ما يؤكد أن الأزمة ما زالت مستمرة رغم تراجع حدة العمليات في بعض الفترات.
غزة.. نزوح بلا ملاذ آمن
أما في الأراضي الفلسطينية، فإن التهجير القسري يمثل واقعًا ممتدًا منذ عام 1948، لكنه بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الحرب التي يشهدها قطاع غزة منذ عام 2023.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أوامر الإخلاء المتكررة التي أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي دفعت مئات الآلاف إلى النزوح مرات عديدة داخل القطاع، في ظل غياب أي مناطق يمكن اعتبارها آمنة.
وفي تقرير أممي صدر في سبتمبر 2025، قدرت الأمم المتحدة وجود نحو مليون شخص داخل مدينة غزة يواجهون القصف اليومي، مع صعوبات بالغة في الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تتقلص فيه المساحات المتاحة لإيواء النازحين.
كما أكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 15 مايو 2026 أن الأوضاع الإنسانية في القطاع لا تزال "مزرية"، موضحًا أن غالبية السكان تعرضوا للنزوح، ويعيشون في ظروف صحية وبيئية قاسية، بالتزامن مع استمرار استهداف المناطق السكنية.
الضفة الغربية.. التهجير يمتد خارج غزة
ولا تقتصر أزمة النزوح على قطاع غزة، إذ تشهد الضفة الغربية أيضًا عمليات تهجير متواصلة، خصوصًا في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، حيث يواجه السكان هدمًا للمنازل واعتداءات متكررة من مستوطنين، وسط اتهامات بتوفير الحماية لهم من قبل قوات الاحتلال.
وفي أحدث التطورات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في 11 يوليو، إصابة أربعة فلسطينيين خلال اعتداء نفذه مستوطنون على سكان مسافر يطا، في حلقة جديدة من سلسلة الانتهاكات التي تدفع مزيدًا من العائلات إلى مغادرة منازلها قسرًا.
حق إنساني مهدد
وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة إحدى أبرز القضايا التي يسلط عليها اليوم العالمي للسكان الضوء، وهي أن السكن الآمن ليس مجرد احتياج معيشي، بل حق أصيل تكفله المواثيق الدولية.
غير أن ملايين الفلسطينيين واللبنانيين ما زالوا يعيشون بعيدًا عن هذا الحق، بين مخيمات النزوح ومراكز الإيواء والمنازل المؤقتة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتضرر البنية التحتية وصعوبة العودة إلى مناطقهم.
وتكشف الأرقام الصادرة عن المنظمات الدولية أن النزوح لم يعد حالة طارئة أو مؤقتة، بل تحول إلى واقع طويل الأمد يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويترك آثارًا عميقة على أجيال كاملة من الأطفال والنساء وكبار السن، الذين يجدون أنفسهم محرومين من أبسط مقومات الحياة الآمنة في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بحقوق السكان وكرامتهم الإنسانية.
منظومة قيادة بمواصفات المستقبل.. ماذا قالت الصحافة العالمية ع...
