أكدت الدكتورة فايزة خطاب، الباحثة في الدراسات الاستراتيجية والأمن القومي، أن الاحتفال بالذكرى الحادية عشرة لافتتاح قناة السويس الجديدة يمثل مناسبة وطنية لاستعراض أحد أهم الإنجازات الاستراتيجية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، حيث نجحت مصر في توظيف موقعها الجغرافي الفريد لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وتحويله إلى مصدر للقوة الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
وأضافت أن قناة السويس، منذ افتتاحها عام 1869، لم تكن مجرد ممر ملاحي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، بل شكلت أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ومحورًا رئيسيًا للتجارة الدولية والتنافس بين القوى الكبرى، إذ يمر عبرها ما يقرب من 12% من حجم التجارة العالمية ونحو 30% من حركة تداول الحاويات عالميًا. كما مثل قرار تأميم القناة عام 1956 نقطة تحول تاريخية أكدت السيادة المصرية على مقدراتها الوطنية، ورسخت مكانة القناة باعتبارها رمزًا للاستقلال الوطني والإرادة السياسية.

افتتاح قناة السويس الجديدة لم يكن مجرد مشروع لتوسعة المجرى الملاحي، بل جاء تجسيدًا لرؤية استراتيجية استشرفت مستقبل التجارة العالمية
وأوضحت أن افتتاح قناة السويس الجديدة في السادس من أغسطس 2015 لم يكن مجرد مشروع لتوسعة المجرى الملاحي، بل جاء تجسيدًا لرؤية استراتيجية استشرفت مستقبل التجارة العالمية، في ظل تزايد أحجام السفن، ونمو حركة النقل البحري، واشتداد المنافسة بين الممرات الملاحية، فضلًا عن التحديات الجيوسياسية التي تؤثر في سلاسل الإمداد الدولية. وأسهم المشروع في زيادة الطاقة الاستيعابية للقناة، وتقليل زمن العبور والانتظار، ورفع كفاءة الملاحة، بما عزز قدرتها على الحفاظ على مكانتها كأحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وأكدت أن الإنجاز الحقيقي للمشروع لم يقتصر على تطوير المجرى الملاحي، وإنما ارتبط بإطلاق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي أصبحت إحدى أهم المناطق الاقتصادية الواعدة في الشرق الأوسط وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين ثلاث قارات، وما تتمتع به من موانئ متطورة، وبنية تحتية حديثة، ومناطق صناعية ولوجستية متكاملة.
وأشارت إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نجحت خلال السنوات الأخيرة في جذب استثمارات محلية وأجنبية بمليارات الدولارات في قطاعات الصناعات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الهندسية والدوائية والغذائية والخدمات اللوجستية، بما يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، ويؤكد نجاح الدولة في الانتقال من نموذج يعتمد على عوائد عبور السفن إلى نموذج اقتصادي متكامل يقوم على التصنيع والتصدير وتعظيم القيمة المضافة، ودمج مصر بصورة أكبر في سلاسل الإمداد العالمية.
وأضافت أن هذا التحول الاستراتيجي أسهم في مضاعفة العائد الاقتصادي لقناة السويس، ليس فقط من خلال تطوير المجرى الملاحي، وإنما عبر إقامة مناطق صناعية متخصصة، وتطوير الموانئ، وتحفيز الاستثمار، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل جديدة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز قدرة الدولة المصرية على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.
وأكدت أن القيادة السياسية، برئاسة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تبنت رؤية تنموية شاملة لتطوير قناة السويس، انطلقت من إدراك أن القناة ليست مجرد ممر ملاحي، بل أصل استراتيجي يجب تعظيم الاستفادة منه اقتصاديًا وتنمويًا. ولذلك شهدت المنطقة تنفيذ مشروعات قومية كبرى، وتطوير الموانئ، وشبكات الطرق والأنفاق، وتعزيز الربط بين سيناء ووادي النيل، بما أسهم في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.
وأضافت أن قناة السويس تمثل اليوم نموذجًا متكاملًا لتوظيف القوة الجغرافية في خدمة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية، إذ نجحت الدولة المصرية في الانتقال من مفهوم إدارة مرفق ملاحي عالمي إلى بناء منظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة قادرة على المنافسة الدولية، من خلال التكامل بين تطوير المجرى الملاحي والمنطقة الاقتصادية والموانئ الحديثة والمناطق الصناعية. ويؤكد هذا التحول أن المشروعات القومية الكبرى لم تعد تستهدف تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة فحسب، بل أصبحت أدوات استراتيجية لتعزيز النفوذ الإقليمي، وترسيخ مكانة مصر في النظام الدولي، ودعم مستهدفات رؤية مصر 2030، وتحقيق تنمية مستدامة قادرة على مواجهة المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأوضحت أن التطورات الإقليمية والدولية، وما شهدته منطقة البحر الأحمر من تحديات أثرت في حركة الملاحة العالمية، أكدت الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس بالنسبة للاقتصاد العالمي، وأثبتت أن استمرار تطويرها ورفع كفاءتها يمثل ضرورة وطنية واستراتيجية للحفاظ على تنافسيتها، وتعزيز دور مصر كشريك رئيسي في أمن واستقرار التجارة الدولية.
واختتمت الدكتورة فايزة خطاب بالتأكيد على أن الذكرى الحادية عشرة لافتتاح قناة السويس الجديدة ليست مجرد احتفاء بإنجاز وطني، بل هي تأكيد على نجاح الدولة المصرية في تحويل رؤيتها الاستراتيجية إلى واقع ملموس، يجمع بين تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي، وتعزيز الأمن القومي، ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة مصر كقوة إقليمية مؤثرة وشريك دولي رئيسي في تأمين حركة التجارة العالمية، لتظل قناة السويس رمزًا للإرادة المصرية، وعنوانًا لقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
