في تصعيد جديد يعكس طبيعة المواجهة المتواصلة في محيط القدس المحتلة، شهد مخيم قلنديا، شمال المدينة، واحدة من أعنف الاقتحامات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما دفعت قوات الاحتلال بآلياتها العسكرية إلى داخل المخيم، وأقامت سواتر ترابية في عدد من شوارعه، بالتزامن مع مداهمة منازل الفلسطينيين واعتقال عدد من السكان.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان المشهد الذي سبق العمليات العسكرية الواسعة في مخيمات شمال الضفة الغربية، مثل جنين وطولكرم ونور شمس، والتي انتهت بتدمير واسع للبنية التحتية وتهجير آلاف الفلسطينيين، ما يثير مخاوف من أن يكون مخيم قلنديا أمام سيناريو مشابه.

موقع استراتيجي في قلب الصراع

لا تنبع أهمية مخيم قلنديا من كثافته السكانية فحسب، وإنما من موقعه الجغرافي الحساس، إذ يقع على المدخل الشمالي للقدس المحتلة، ويربط المدينة بمحافظة رام الله، ليشكل أحد أهم المنافذ الفلسطينية المؤدية إلى القدس.

ويمنح هذا الموقع المخيم أهمية أمنية وعسكرية بالنسبة لإسرائيل، كونه يشرف على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المستوطنات الإسرائيلية شمال الضفة الغربية، وهو ما دفع سلطات الاحتلال إلى تكثيف وجودها العسكري في محيطه عبر الحواجز ونقاط التفتيش، بما يعزز عزل القدس عن امتدادها الفلسطيني.

ويقطن المخيم نحو 16 ألف فلسطيني، كما يقع ضمن المنطقة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وهي المنطقة الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.

عقبة أمام التوسع الاستيطاني

يرى مراقبون أن مخيم قلنديا يمثل أكبر تجمع فلسطيني يعوق خطط التوسع الاستيطاني شمال القدس، في وقت تشهد فيه المنطقة تسارعًا في تنفيذ المشاريع الاستيطانية، وعلى رأسها التوسع في مستوطنة "عطروت"، ضمن استراتيجية إسرائيلية تستهدف إحكام الطوق الاستيطاني حول القدس وفصلها عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية.

وفي الإطار نفسه، شرعت السلطات الإسرائيلية في تنفيذ مشروع لإقامة مركز تراثي إسرائيلي في موقع مطار القدس التاريخي، بهدف تقديم الرواية الإسرائيلية لتاريخ المدينة.

وشارك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وضع حجر الأساس للمشروع مطلع يوليو الماضي، وهو ما قوبل برفض فلسطيني واسع، إذ اعتبرت محافظة القدس المشروع محاولة للاستيلاء على أحد أبرز المعالم التاريخية الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

مخاوف من تكرار سيناريو مخيمات الشمال

التطورات الأخيرة في مخيم قلنديا جاءت بعد تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أعلن خلالها أن الجيش سيكرر نموذج عملياته العسكرية في مخيمات شمال الضفة داخل مخيم آخر، دون أن يسميه، ما فتح الباب أمام ترجيحات بأن يكون المقصود هو مخيم قلنديا.

وكانت العمليات العسكرية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس قد شهدت اجتياحات واسعة، وتدميرًا للبنية التحتية، واقتحامًا للمنازل، وعمليات نزوح قسري لآلاف الفلسطينيين، ضمن حملة عسكرية متواصلة في شمال الضفة الغربية.

المقاومة المحلية في دائرة الاستهداف

وخلال السنوات الخمس الماضية، برزت تشكيلات مقاومة محلية داخل عدد من مخيمات الضفة الغربية، من بينها كتيبة طولكرم وكتيبة نور شمس، ونفذت عمليات وكمائن واشتباكات مسلحة ضد قوات الاحتلال، خاصة منذ اندلاع الحرب عقب عملية "طوفان الأقصى".

ويرى متابعون أن تصاعد نشاط هذه التشكيلات، إلى جانب الموقع الجغرافي الحساس لمخيم قلنديا، يجعلان المخيم في صدارة المناطق التي تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرة أمنية أكبر عليها، بالتوازي مع تسريع مشاريعها الاستيطانية شمال القدس.

وبين التصعيد العسكري المتواصل والتوسع الاستيطاني المتسارع، تبدو التطورات في مخيم قلنديا جزءًا من معادلة أوسع تستهدف إعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي شمال القدس المحتلة، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه السياسات قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التهجير القسري وتغيير معالم المنطقة.

مجلس الوزراء الفلسطيني يحذر من تصاعد العدوان وأزمة المجاعة في...

خلاف سياسي عسكري في إسرائيل بشأن قائد المنطقة الوسطى.. تفاصيل