تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، رغم استمرار المسار التفاوضي بين الجانبين، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين التطورات الميدانية والجهود السياسية الرامية إلى تثبيت التهدئة ومعالجة الملفات العالقة.
ومنذ بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في الثاني من مارس الماضي، شهدت مناطق عدة في جنوب لبنان تصعيدًا متواصلًا، تخللته غارات وقذائف مدفعية وتفجيرات وعمليات تمشيط وتوغلات محدودة، وسط مخاوف لبنانية من انتقال الاستهدافات الإسرائيلية إلى مناطق أعمق في الجنوب.
وبحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، بلغت الحصيلة الإجمالية للضحايا 4333 شهيدًا، إلى جانب نحو 12 ألف مصاب و250 آخرين، وفق الأرقام الواردة في البيانات الرسمية.
قصف إسرائيلي وحرائق في الجنوب
ميدانيًا، تعرضت مرتفعات علي الطاهر لقصف إسرائيلي، بالتزامن مع استهداف بلدة فرون وأطراف بلدة ميفدون، فيما دوت أصوات انفجارات قوية في بلدة زوطر الشرقية.
كما سقطت قذيفة مدفعية في مشاع بلدة المنصوري، بالتزامن مع تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية تمشيط باتجاه بلدة حداثا.
وفي تطور آخر، ألقت طائرات مسيّرة إسرائيلية مقذوفات ومواد حارقة، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة في مساحات من الأحراج الواقعة في البقاع الغربي والمرتفعات الممتدة من نيحا إلى كفرحونة.
وتواصلت عمليات القصف المدفعي الإسرائيلي على بلدة المنصوري، الواقعة جنوب مدينة صور، بعدد من القذائف، في أعقاب استهدافات مماثلة شهدتها البلدة السبت، وأسفرت عن أضرار بعدد من المنازل.
سقوط مسيّرة إسرائيلية وإصابة مدنيين
وفي بلدة كفررمان جنوبي لبنان، أصيبت فتاة ووالدها بجروح طفيفة إثر سقوط طائرة مسيّرة إسرائيلية قرب أحد المنازل، وفق ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.
وأوضحت الوكالة أن المسيّرة كانت تحلق في أجواء مرتفعات علي الطاهر والدبشة وصولًا إلى دوحة كفررمان، قبل أن تتعرض لخلل فني أدى إلى سقوطها قرب منزل يعود لعائلة قانصو.
ونقلت سيارة إسعاف تابعة لجمعية الرسالة المصابين إلى مستشفى نبيه بري الحكومي لتلقي العلاج.
توغلات إسرائيلية وتحركات ميدانية
وفي موازاة القصف، أفادت المعلومات الواردة من الجنوب بإقدام قوة إسرائيلية على التوغل في الأطراف الشمالية لبلدة ميس الجبل، فيما توجهت قوة أخرى نحو بلدة زوطر الغربية، حيث عمدت إلى رفع ساتر ترابي جديد.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواصل فيه الجيش اللبناني انتشاره في زوطر الغربية، بالتزامن مع مساعي مساعدة الأسر النازحة على العودة إلى البلدة بعد تضرر منازلها جراء العمليات العسكرية.
وفي هذا الإطار، وصلت الدفعة الأولى من المنازل الجاهزة إلى زوطر الغربية، بهدف توفير مأوى مؤقت للعائلات التي دُمرت منازلها، إلى حين الانتهاء من إزالة ركام المنازل وإعادة تأهيل المنطقة.
ووُضعت المنازل الجاهزة في باحة النادي الحسيني بمنطقة قاعقعية الجسر، على أن تُستخدم بصورة مؤقتة إلى حين استكمال أعمال رفع الأنقاض وإتاحة الظروف المناسبة لعودة الأهالي.
مفاوضات روما أمام ملفات شائكة
وبينما يستمر التصعيد الميداني، يواجه المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل تعقيدات متزايدة، ولا سيما عقب جولة المحادثات الأخيرة التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما.
وأشارت صحيفة «النهار» اللبنانية إلى أن الجولة الأخيرة شهدت خلافات بشأن عدد من الملفات، إلى جانب مطالب إسرائيلية وصفها الجانب اللبناني بأنها تعقّد مسار التفاوض وتبعده عن القضايا الأساسية المطروحة.
ويبرز ملف الأسرى في مقدمة الملفات الخلافية، إذ طالب الوفد اللبناني بالكشف عن مصير الأسرى اللبنانيين تمهيدًا لإطلاق سراحهم.
في المقابل، طرحت إسرائيل مسألة استعادة رفات يهود قُتلوا أو فُقدوا خلال الحرب اللبنانية، إضافة إلى مطالبتها بكشف مصير الطيار الإسرائيلي رون آراد، الذي أُسقطت طائرته عام 1986، قبل أن يُفقد أثره بعد وقوعه في الأسر.
وتعود قضية آراد إلى عقود مضت، إذ ظلت إسرائيل تطرحها في سياق عمليات تبادل الأسرى والمفاوضات السابقة، كما نفذت تحركات وعمليات أمنية في لبنان بحثًا عن معلومات تقود إلى تحديد مصيره.
ومن بين تلك التحركات، خطفت إسرائيل القيادي في حزب الله مصطفى الديراني عام 1992، بهدف الحصول على معلومات بشأن آراد، قبل أن تخطف المواطن اللبناني أحمد شكر من منطقة البقاع قبل نحو عام للغرض ذاته، بحسب المعلومات الواردة في التقرير.
كما نفذت إسرائيل عملية إنزال في منطقة النبي شيت بحثًا عن معلومات مرتبطة بالطيار الإسرائيلي، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى ما كانت تبحث عنه.
مخاوف من إطالة أمد التفاوض
وترى مصادر مطلعة أن طرح هذه الملفات في المرحلة الحالية قد يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة توجيه مسار المفاوضات نحو قضايا فرعية، بما يؤدي إلى تشتيت التركيز عن المطالب الأساسية التي يطرحها الجانب اللبناني.
وبحسب هذه المصادر، فإن استمرار طرح المطالب الخلافية، بالتزامن مع العمليات العسكرية في الجنوب، قد يسهم في إطالة أمد المفاوضات، في وقت يسعى فيه لبنان إلى تثبيت التهدئة ومعالجة تداعيات العمليات الإسرائيلية وتهيئة الظروف أمام عودة السكان إلى المناطق المتضررة.
وهكذا، يبدو المشهد في جنوب لبنان محكومًا بمعادلة شديدة التعقيد؛ فبينما تتحرك قنوات التفاوض بحثًا عن تسوية سياسية للملفات العالقة، يستمر التصعيد على الأرض، بما يهدد بتوسيع دائرة التوتر ويضع قدرة المسار الدبلوماسي على تحقيق اختراق فعلي أمام اختبار جديد.
ترامب أمام معضلة هرمز.. هل يقدّم تنازلات لإنجاز اتفاق إيران؟
بين تعثر محادثات روما وتصعيد الميدان.. هل يقترب لبنان وإسرائي...
