منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وجدت الدولة المصرية نفسها أمام معادلة بالغة التعقيد، تفرض عليها الجمع بين التزامها التاريخي والأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية من جهة، وضرورة حماية حدودها وأمنها القومي من جهة أخرى. فمنذ نحو 670 يوماً متتالياً، لم تتوقف القوافل المصرية عن عبور معبر رفح باتجاه القطاع، في وقت تخوض فيه القاهرة موازياً لذلك معركة دبلوماسية وأمنية شاقة لمنع أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية أو المساس بحدودها مع سيناء. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح سياسة مصرية دقيقة الحسابات، تستمد قواعدها من عقود طويلة من الارتباط الجغرافي والتاريخي والأمني بالملف الفلسطيني.
غزة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري
تشترك محافظة شمال سيناء مع قطاع غزة في حدود تمتد نحو 14 كيلومتراً عبر معبر رفح، وهو ما يجعل أي تطور ميداني أو إنساني في القطاع ذا انعكاس مباشر على الوضع الأمني المصري. وقد رسخت القاهرة، على مدى العقود الماضية، مبدأً ثابتاً مفاده أن قضية فلسطين ليست شأناً خارجياً بحتاً، وإنما ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي المصري، باعتبار أن أي محاولة لتغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي في غزة تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار سيناء والدولة المصرية ككل.
وقد عبّرت هيئة الاستعلامات المصرية أكثر من مرة عن هذا الموقف بوضوح، مؤكدة أن أي مخطط لتهجير الفلسطينيين من أرضهم يمثل "تصفية للقضية الفلسطينية وخطراً داهماً على الأمن القومي المصري". ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة لدى القيادة السياسية بأن استقرار الجبهة الشرقية للبلاد مرهون ببقاء القضية الفلسطينية حية، وبعدم السماح بتفريغ غزة من سكانها تحت أي مسمى، سواء جرى ذلك بالقوة أو تحت غطاء "المغادرة الطوعية".
خط أحمر ثابت في مواجهة مخططات التهجير
على مدار الحرب، تعرضت مصر لضغوط متكررة ولحملات ترويج إعلامي، بعضها من مصادر إسرائيلية، حول استعداد مزعوم لاستقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين في مناطق داخل سيناء، وهي مزاعم نفتها القاهرة بشكل قاطع في كل مرة. وأكدت مصادر سياسية فلسطينية أن القيادة المصرية، ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي، اتخذت منذ الأيام الأولى للحرب موقفاً حاسماً برفض أي مخطط لتهجير سكان غزة إلى الأراضي المصرية، واعتبار ذلك خطاً أحمر لا يقبل التفاوض.
وفي هذا السياق، لعبت القاهرة دوراً محورياً في تفويت الفرصة على محاولات دفع أعداد كبيرة من الفلسطينيين نحو مدينة رفح الحدودية في أوقات التصعيد العسكري المكثف، وهو ما كان يمكن أن يفتح الباب أمام تهجير قسري واسع النطاق نحو سيناء. ويرى مراقبون للشأن الفلسطيني أن هذا الموقف المصري الصارم كان أحد العوامل الحاسمة التي حالت دون تنفيذ خطط طرحت في وقت من الأوقات لإخلاء القطاع من سكانه بشكل كامل أو جزئي.
الدعم الإنساني المتواصل رغم التعقيدات الميدانية
لم يقتصر الدور المصري على البعد السياسي والأمني، بل تجسد بشكل يومي عبر آلية دعم إنساني ولوجستي واسعة النطاق. فقد واصل الهلال الأحمر المصري إدارة عمليات استقبال المساعدات وفرزها وتخزينها وإدخالها إلى القطاع بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والأمم المتحدة، فيما مثّل إدخال الوقود أحد أبرز أوجه هذا الدعم نظراً لدوره الحيوي في تشغيل المستشفيات ومحطات تحلية المياه والمرافق الأساسية.
وتعكس قوافل "زاد العزة"، التي تجاوزت المئتين والأربعين قافلة، استمرارية هذا النهج رغم الظروف الأمنية واللوجستية الصعبة التي رافقت عمليات الإدخال طوال فترة الحرب. وفي موازاة المسار الإغاثي، تحركت الدبلوماسية المصرية على أكثر من محور، سعياً لتثبيت وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر 2025، وتسهيل وصول المساعدات دون عوائق، وحث المجتمع الدولي على تحمل مسؤولياته الكاملة تجاه الشعب الفلسطيني.
خطة إعادة الإعمار.. رهان مصري على مستقبل غزة دون تهجير
انتقلت القاهرة تدريجياً من إدارة الطوارئ الإنسانية إلى صياغة رؤية شاملة لمستقبل القطاع، تُوجت باعتماد جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في مارس الماضي خطة لإعادة إعمار غزة تمتد على خمس سنوات بتكلفة تقارب 53 مليار دولار، دون أن يغادر القطاع فلسطيني واحد. وقد أقرت القمة العربية الطارئة التي استضافتها القاهرة هذه الخطة بالإجماع، لتصبح الإطار المرجعي العربي البديل عن أي طروحات دولية تتضمن نقل السكان أو فرض وصاية خارجية على القطاع لسنوات طويلة.
وجدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مؤخراً التأكيد على ضرورة البدء العاجل في إعادة الإعمار، ورفض أي محاولات لفرض حلول أحادية أو تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية. كما شدد على ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن انسحاباً إسرائيلياً فعلياً من القطاع، في وقت لا تزال فيه إسرائيل، بحسب مصادر فلسطينية ودولية، ترتكب خروقات يومية للهدنة القائمة.
وساطة بلا انقطاع.. من شرم الشيخ إلى طاولة المفاوضات
واصلت القاهرة توظيف موقعها كوسيط رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص غزة، إذ فتحت خطوط اتصال مباشرة مع القوى الكبرى والفاعلة دولياً لوقف التصعيد العسكري، ونجحت في استضافة جولات مفاوضات وصفها متابعون بأنها كانت نقطة تحول مفصلية في مسار التهدئة. وإلى جانب دورها في ملف وقف إطلاق النار، تسعى مصر لتفعيل مسار المصالحة الفلسطينية الداخلية وتوحيد الموقف الفلسطيني، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لأي ترتيبات مستقبلية مستقرة في القطاع، سواء ما يتعلق بإدارته أو بإعادة إعماره.
ويرى خبراء العلاقات الدولية أن استمرار مصر في هذا الدور المزدوج - الإغاثي والدبلوماسي - لأكثر من عامين متواصلين، رغم كلفته السياسية والاقتصادية، يعكس التزاماً قومياً وإنسانياً متجذراً، لا ينفصل عن حسابات الأمن القومي المصري ذاتها، باعتبار أن استقرار غزة وبقاء أهلها على أرضهم يمثلان خط الدفاع الأول عن الحدود الشرقية لمصر.
تكشف السياسة المصرية تجاه غزة عن معادلة دقيقة قوامها الجمع بين واجب الدعم الإنساني والسياسي للشعب الفلسطيني، وبين ضرورات حماية الأمن القومي ومنع أي تهديد لحدود سيناء واستقرارها. فمنذ اندلاع الحرب، ظلت القاهرة ثابتة على موقفين متلازمين: رفض قاطع لأي مخطط تهجير مهما كان الغطاء الذي يُقدَّم به، ودعم متواصل لصمود الفلسطينيين على أرضهم عبر المساعدات والوساطة السياسية. وبين هذين الخطين، تراهن مصر على أن تثبيت وقف إطلاق النار وانطلاق إعادة الإعمار وفق الخطة العربية المعتمدة هما السبيل الوحيد لحماية القضية الفلسطينية من التصفية، وصون أمنها القومي في آن واحد.
