حرائق بين ليلة وضحاها، تحوّلت عبارة "حريق جديد" إلى مفردة شبه يومية في نشرات الحوادث المصرية. من عقار سكني في حدائق الأهرام تصاعدت منه أعمدة الدخان قبل أن تلتهم النيران محتوياته بالكامل، إلى مصنع ملابس في العاشر من رمضان أصاب حريقه المحدود 38 عاملًا بالاختناق، مرورًا بشونة كتان في الغربية، ومخزن في كرداسة، وسيارة اشتعلت فجأة وهي تسير على الطريق، تتوالى المشاهد وكأن المدن المصرية تعيش في حالة اشتعال دائم. المفارقة أن أغلب هذه الحرائق لا تبدأ من كارثة كبرى، بل من تفصيلة صغيرة: عقب سيجارة، أو ماس كهربائي عابر، أو كيس قمامة نُسي فوق سطح عقار تحت شمس الصيف اللاهبة.
لكن خلف هذا التكرار اليومي، ثمة سؤال أعمق يطرحه المصريون أنفسهم: هل الحرائق تتزايد فعلًا، أم أن وسائل التواصل جعلتنا أكثر وعيًا بها؟ وإذا كانت تتزايد بالفعل، فما الذي تغيّر في المدن والمنشآت والبنية التحتية ليجعل شرارة صغيرة كافية لإشعال أزمة كبرى؟
الأرقام تتحدث: الإهمال والكهرباء في صدارة الأسباب
في أحدث بيان رسمي شامل صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبيّن أن عدد حوادث الحريق على مستوى الجمهورية سجّل زيادة ملحوظة عامًا بعد عام، وأن الإهمال يتصدّر الأسباب الجنائية للحرائق بنسبة تتجاوز نصف الحالات، يليه ما يُصنَّف بـ"الحريق العارض"، ثم في مرتبة أخيرة الحريق العمد. أما من حيث المسببات الفنية المباشرة، فتأتي النيران الناتجة عن إلقاء جسم مشتعل - كأعقاب السجائر وأعواد الكبريت والمفرقعات - في المرتبة الأولى، تليها حالات التماس الكهربائي والشرر الناتج عن الاحتكاك، ثم مواقد وأفران وغلايات الغاز، فالاشتعال الذاتي، فحرائق الغازات، وأخيرًا الحرائق البترولية والسوائل القابلة للاشتعال.
ويبدو موسم الصيف تحديدًا هو الفصل الأكثر اشتعالًا بامتياز، إذ يشير مسؤولون في الإدارة العامة للحماية المدنية إلى أن أشهر مايو ويونيو ويوليو تشهد قفزة واضحة في بلاغات الحرائق، ويرجعون ذلك إلى مجموعة من "السلوكيات الخاطئة" المتكررة: التخزين العشوائي للمخلفات فوق أسطح المنازل، والتي تشتعل ذاتيًا مع ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب إهمال صيانة أجهزة التكييف بما يؤدي لتسرب كهربائي، وترك الأجهزة الكهربائية موصولة بالتيار بعد الاستخدام، وهو ما يزيد الضغط على التوصيلات الكهربائية القديمة فيتسبب في نشوب حرائق مفاجئة عند حدوث أي تماس.
بنية تحتية مُتعِبة: من رمسيس إلى كل بيت
إذا كان هناك حادث واحد كشف حجم الهشاشة الكامنة خلف الواجهة الحديثة للمدن المصرية، فهو حريق سنترال رمسيس في وسط القاهرة، الذي اندلع في يوليو 2025 داخل أحد أهم مراكز الاتصالات في البلاد، وأودى بحياة عدد من الموظفين وأصاب العشرات بالاختناق، قبل أن يشلّ خدمات الاتصالات والإنترنت والبنوك والبورصة لساعات طويلة في عدة محافظات.
ولم يكن ما حدث مجرد حريق عابر في مبنى، بل كشف - بحسب خبراء تقنية - عن "نقطة ضعف بنيوية خطيرة" تُعرف تقنيًا بـ"نقطة الفشل الواحدة"، حين تعتمد منظومة حيوية كاملة على مكوّن مركزي واحد دون بدائل كافية أو أنظمة تعافٍ فورية من الكوارث، بما يجعل أي عطل موضعي كفيلًا بشلّ الشبكة بأكملها. وقد طالب نواب في البرلمان، عقب استدعاء وزير الاتصالات، بتوسيع السنترالات البديلة وزيادة كفاءتها بدلًا من التركّز في نقاط محدودة، فيما شدّد خبراء على ضرورة إقامة مراكز تحكم إقليمية للرقابة عن بُعد على الشبكات والمحولات الكهربائية قبل تحوّل أي خلل فني إلى كارثة.
ولا يقتصر الأمر على شبكات الاتصالات وحدها؛ فحرائق مرافق الكهرباء المتكررة التي شهدتها البلاد تعود، وفق خبراء طاقة، إلى تراكم عوامل بنيوية: زيادة استهلاك الكهرباء في ساعات الذروة، وارتفاع معدلات سرقة التيار من الشبكات، ونقص العمالة الفنية المدربة بعد هجرة كثير من الكوادر الماهرة للخارج بحثًا عن معيشة أفضل، إلى جانب قصور في الصيانة الدورية للمحولات والشبكات نتيجة ضغوط التقشف المالي. ويوصي هؤلاء الخبراء بالمراقبة الدورية للشبكات لتحديد مراكز الضعف فيها، وفحص المعدات المركّبة حديثًا للتأكد من مطابقتها للبيئة المصرية ومواصفاتها الفنية على مدار العام، إلى جانب تركيب أنظمة إنذار وإطفاء تلقائي والتدريب المستمر للعاملين على التعامل مع الأعطال المفاجئة.
حين تجتمع الحرارة بالإهمال.. سلسلة حرائق لا تتوقف
المتابع لنشرة الحوادث اليومية في مصر خلال الأسابيع الأخيرة يجد نفسه أمام سلسلة متصلة لا تكاد تنقطع: حريق داخل عقار كامل في منطقة حدائق الأهرام بالجيزة استدعى دفع عشر سيارات إطفاء للسيطرة عليه، وحريق آخر في محلات بالدور الأرضي لعقار في المنطقة نفسها قبل ذلك بأيام قليلة، وحريق في مصنع ملابس بالعاشر من رمضان تسبب في اختناق 38 عاملًا، وحريق في محول كهرباء داخل مستشفى خاص بالقليوبية، وحادثة وفاة ربة منزل في حريق شقة سكنية بمركز طوخ. وفي مشهد يلخّص التنوع الجغرافي للظاهرة، امتدت الحرائق من القاهرة إلى القليوبية وأسوان في يوم واحد: حريق مفاجئ في سيارة ملاكي على الطريق الدائري، وحريق في كافيه بمدينة نصر امتد إلى مطعم مجاور، وآخر في محلات بيع خضراوات بعين شمس امتد إلى محول كهرباء قريب.
وتشير التحقيقات الأولية في غالبية هذه الوقائع إلى نمط متكرر من الأسباب: ماسات كهربائية، أو أسباب فنية غامضة سرعان ما تُحال إلى النيابة العامة للتحقيق فيها. وهو ما يعكس، بحسب محللين، أزمة أعمق من مجرد حوادث عرضية متفرقة؛ فهي في جوهرها انعكاس لتراكم سنوات من التوسع العمراني السريع دون مواكبة كافية في تحديث شبكات الكهرباء والغاز داخل الأحياء القديمة والمباني العشوائية، إلى جانب ضعف ثقافة السلامة العامة سواء لدى الأفراد أو داخل المنشآت التجارية والصناعية.
كيف يمكن مواجهة الاشتعال المتكرر؟
يتفق مختصون في السلامة العامة والبنية التحتية على أن مواجهة هذه الموجة من الحرائق تتطلب تحركًا على مستويات متعددة في آن واحد:
على مستوى الأفراد والمنازل، تبرز ضرورة الفحص الدوري لأجهزة التكييف والتوصيلات الكهربائية القديمة قبل موسم الصيف، وعدم ترك الأجهزة الكهربائية موصولة بالتيار دون داعٍ، والتخلص الفوري من المخلفات المخزّنة فوق الأسطح بدلًا من تكديسها تحت أشعة الشمس المباشرة، وهي عادة تتحول في حرارة الصيف المصري إلى قنبلة اشتعال ذاتي كامنة.
على مستوى المنشآت الصناعية والتجارية، يوصي الخبراء بالالتزام الصارم بمعايير السلامة المهنية، من أنظمة الإنذار المبكر والإطفاء الأوتوماتيكي إلى مخارج الطوارئ الواضحة، إلى جانب التدريب الدوري للعاملين على التعامل مع بدايات الحرائق قبل تفاقمها، وهو ما كشف حادث مصنع الملابس بالعاشر من رمضان أهميته حين اكتفى الحريق المحدود بإحداث حالات اختناق جماعي بدلًا من كارثة أكبر بفضل سرعة التدخل.
على مستوى البنية التحتية الوطنية، تتقاطع توصيات خبراء الاتصالات والطاقة عند نقطة واحدة: ضرورة التخلي عن نموذج الاعتماد على نقاط مركزية واحدة في تشغيل الخدمات الحيوية، سواء كانت سنترالات اتصالات أو محطات كهرباء رئيسية، لصالح أنظمة موزّعة تضمن استمرار الخدمة عند تعطل أي مكوّن بمفرده، إلى جانب الاستثمار الجاد في صيانة الشبكات القديمة بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأعطال بعد وقوعها.
على مستوى الدولة والتشريع، يبقى التحدي الأكبر هو تفعيل الرقابة الميدانية الدورية على المنشآت، بدلًا من الاكتفاء باشتراطات السلامة الورقية عند الترخيص، مع تحديث دوري لخرائط المخاطر في الأحياء القديمة ذات الكثافة السكانية العالية والبنية الكهربائية المتهالكة، وتخصيص موازنات كافية لتحديث شبكات الكهرباء بدلًا من ترك الأمر لتوقيت وقوع الكارثة نفسها.
في النهاية، تكشف موجة الحرائق المتكررة التي يعيشها المصريون عن معادلة واحدة تتكرر في كل حادثة تقريبًا: بنية تحتية أنهكتها عقود من الاستخدام دون تحديث كافٍ، تصطدم بمناخ صيفي متزايد القسوة، وسط ثقافة سلامة عامة لا تزال في طور التشكّل. وما لم تتحول الدروس المستفادة من كل حريق - من رمسيس إلى حدائق الأهرام - إلى سياسة وقائية شاملة، فإن المدن المصرية ستظل تعيش على وقع الشرارة القادمة، لا خطة مواجهتها.
