لم تعد الهجمات التي تستهدف السفن التجارية في منطقة الشرق الأوسط مجرد حوادث أمنية منفصلة، بعدما تزامنت التطورات في مضيق هرمز مع تصاعد المخاطر في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بما يضع اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم أمام اختبار بالغ الخطورة، ويثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة التوترات البحرية، مع تعرض سفن تجارية لهجمات في محيط باب المندب، بالتزامن مع استمرار القيود والتوترات التي تواجه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وأدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في حركة السفن عبر هرمز مقارنة بالمعدلات المعتادة، بينما ظلت حركة باب المندب تحت ضغط المخاطر الأمنية.
مصر: استهداف السفن تهديد خطير للملاحة الدولية
وفي مواجهة هذا التصعيد، أدانت جمهورية مصر العربية استهداف السفن في البحر الأحمر، وفى مضيق هرمز مؤكدة رفضها القاطع للأعمال التي تستهدف السفن والمنشآت المدنية أو تعرض أمن وسلامة الملاحة للخطر.
وأكدت القاهرة أن استهداف السفن يمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد أحد أهم الممرات البحرية الدولية، مشددة على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والحفاظ على حرية الملاحة، بما يضمن أمن واستقرار المنطقة ويحد من التداعيات الخطيرة على حركة التجارة العالمية.
لماذا هرمز وباب المندب مهمان للعالم؟
وتكمن خطورة المشهد في أن هرمز وباب المندب يمثلان نقطتي اختناق استراتيجيتين للتجارة والطاقة العالمية.
فمضيق هرمز هو البوابة البحرية الرئيسية التي تمر من خلالها كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، بينما يمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر المتوسط.
وتشير تقديرات منشورة إلى أن باب المندب يرتبط بنحو 10% من التجارة العالمية، كما أن إغلاق أو تعطيل هرمز وباب المندب معًا يمكن أن يضع نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية أمام مخاطر مباشرة.
وهنا تظهر أهمية الموقع الجغرافي لمصر؛ فكلما زادت المخاطر في البحر الأحمر، ارتفعت احتمالات اضطرار بعض شركات الملاحة إلى إعادة حساباتها بشأن المرور عبر قناة السويس والبحث عن طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة.
ماذا يحدث إذا استمر استهداف السفن؟
المشكلة لا تتوقف عند السفينة التي تتعرض للهجوم، وإنما تمتد إلى منظومة التجارة بأكملها.
فارتفاع المخاطر الأمنية يدفع شركات الشحن إلى زيادة تكاليف التأمين، ورفع أسعار الشحن، وإعادة توجيه بعض السفن لمسارات أطول، وهو ما يعني زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكلفة نقل البضائع.
وفي حال اضطر عدد أكبر من السفن إلى تجنب البحر الأحمر، فقد يصبح طريق رأس الرجاء الصالح حول جنوب أفريقيا خيارًا أكثر استخدامًا، لكنه يضيف مسافات وأيامًا إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا.
أما في قطاع الطاقة، فإن استمرار التوتر في هرمز يفرض ضغوطًا إضافية على أسعار النفط والغاز، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على الأسواق مع ارتفاع أسعار النفط عقب الهجمات الأخيرة على السفن.
الأخطر.. أن الممرين يتعرضان للضغط في الوقت نفسه
السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للأسواق العالمية هو استمرار الضغط على هرمز وباب المندب في الوقت نفسه.
فإذا واجهت السفن مخاطر في الخليج ومضيق هرمز، ثم واجهت مخاطر أخرى عند الوصول إلى باب المندب، فإن البدائل تصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا، وقد تتعرض سلاسل الإمداد لضغوط مزدوجة.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الضغط المتزامن على نقطتي الاختناق البحريتين يمثل تطورًا استثنائيًا، لأنه يضع شريانين رئيسيين للاقتصاد العالمي تحت تأثير التوترات الجيوسياسية في وقت واحد.
مصر وقناة السويس
بالنسبة لمصر، فإن التطورات الحالية تحمل مخاطر وتحديات وفرصًا في الوقت نفسه.
فمن ناحية، أي تراجع مستدام في حركة السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس يمثل تحديًا مباشرًا لإيرادات القناة وحركة التجارة المرتبطة بها.
لكن من ناحية أخرى، فإن اضطراب طرق التجارة العالمية قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة ترتيب مساراتها وسلاسل إمدادها، وهو ما يبرز أهمية الموقع المصري وقدرة قناة السويس على استيعاب حركة التجارة عندما تتوافر الظروف الأمنية المناسبة.وبالفعل، أظهرت بيانات حديثة نمو حركة البضائع المنقولة بحرًا عبر مصر خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 14.2% على أساس سنوي، في مؤشر على استمرار أهمية مصر كمركز رئيسي لحركة التجارة والنقل البحري رغم التوترات الإقليمية.
إلى أين يتجه الوضع؟
السؤال الأهم الآن ليس فقط: من استهدف السفن؟ وإنما: هل تتحول استهدافات السفن إلى نمط مستمر يهدد النظام التجاري العالمي؟
السيناريو الأول هو احتواء التصعيد، وعودة تدريجية لحركة الملاحة، وهو السيناريو الأقل تكلفة على الاقتصاد العالمي.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار الهجمات دون إغلاق كامل للممرات، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة واستمرار اضطراب حركة السفن.
بينما يبقى السيناريو الأكثر خطورة هو تحول هرمز وباب المندب إلى ساحتي مواجهة مفتوحة، بما قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة والشحن، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكلفة وصول السلع إلى الأسواق.
ومع استمرار التوترات، تبدو حرية الملاحة الدولية واحدة من أبرز القضايا التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة؛ فكلما اتسعت دائرة استهداف السفن، أصبحت الأزمة أبعد من كونها صراعًا إقليميًا، وأقرب إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي بأكمله.
وفي هذا السياق، تكتسب الإدانة المصرية أهمية خاصة، إذ تؤكد القاهرة أن حماية الملاحة الدولية واحترام القانون الدولي وخفض التصعيد ليست قضايا تخص دولة بعينها، وإنما مسؤولية دولية ترتبط مباشرة بأمن التجارة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي.
وبين هرمز وباب المندب، يقف الاقتصاد العالمي أمام معادلة شديدة الحساسية: سفينة تتعرض للهجوم قد تكون حادثًا أمنيًا، لكن استمرار استهداف السفن عبر الممرات الاستراتيجية قد يتحول إلى أزمة تجارة وطاقة واقتصاد على مستوى العالم.
