يتجه قطاع البترول المصري إلى التعويل بصورة متزايدة على مشروعات تنمية الاكتشافات الجديدة وتعظيم الاستفادة من البنية الأساسية القائمة، في محاولة لتعويض التراجع الطبيعي في إنتاج بعض الحقول القديمة وزيادة إمدادات الغاز الطبيعي للسوق المحلية.
وفي مقدمة هذه المشروعات يأتي حقل هارماتان بالبحر المتوسط، الذي دخل مرحلة التنفيذ الفعلي بعد اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لتنميته. وتستهدف المرحلة الأولى من المشروع إنتاج نحو 150 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يوميًا و3300 برميل من المتكثفات يوميًا، مع استهداف رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 200 مليون قدم مكعبة من الغاز و4400 برميل من المتكثفات يوميًا.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن رقم 200 مليون قدم مكعبة يوميًا هو المستهدف النهائي للمشروع، وليس معدل الإنتاج الأولي؛ وهي نقطة مهمة عند مقارنة أرقام المشروع بمعدلات إنتاج الحقول القائمة.
نوصى بقراءة :
إنجاز طبي بأسوان.. تركيب أول منظم قلب مزود بصاعق كهربائي بمستشفى إدفو
قرار الاستثمار يفتح الطريق أمام التعجيل بالإنتاج
شهد عام 2026 انتقال مشروع هارماتان من مرحلة الدراسات والاستعداد إلى مرحلة التنفيذ، إذ أعلنت شركة أركيوس إنرجي اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لتنمية الحقل وبدء عمليات الحفر. كما وضعت الشركة المشروع ضمن خطتها الاستثمارية في مصر، بالتوازي مع برنامج جديد لحفر آبار استكشافية في البحر المتوسط.
وتكتسب سرعة تنفيذ المشروع أهمية خاصة في ظل حاجة السوق المصرية إلى موارد غاز إضافية، ولذلك تركز وزارة البترول على اختصار الفترات الزمنية بين الاكتشاف وبدء الإنتاج، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي يمكنها الاستفادة من التسهيلات والبنية الأساسية الموجودة بالفعل.
وتشير البيانات المنشورة إلى أن تنمية هارماتان تتصدر مشروعات الشركة الفرعونية ضمن موازنة استثمارية للعام المالي 2026/2027 تبلغ نحو 449 مليون دولار، بما يعكس الوزن الذي يحظى به المشروع في خطط زيادة الإنتاج.
البحر المتوسط.. هارماتان ليس المشروع الوحيد على خريطة النمو
لا تتحرك خطة زيادة إنتاج الغاز من خلال هارماتان منفردًا، إذ تتزامن تنمية الحقل مع حملة استكشاف بحرية تستهدف اكتشاف موارد جديدة، وعلى رأسها بئر غرب آتول.
وأعلنت وزارة البترول في مارس 2026 بدء حملة حفر جديدة لشركة أركيوس إنرجي تشمل بئري غرب آتول ونوفريت، باستخدام سفينة الحفر Valaris DS-12، ضمن برنامج أوسع يستهدف تعزيز أنشطة البحث والاستكشاف في البحر المتوسط.
وفي يوليو 2026 أكدت وزارة البترول استمرار خطة تنمية هارماتان وتنفيذ حملة الحفر البحرية، إلى جانب استمرار العمل في منطقة شمال دمياط التي تضم حقل آتول.
وتكشف هذه التحركات عن توجه واضح نحو الجمع بين مسارين متوازيين: تسريع إنتاج الحقول المكتشفة وغير المنماة، وفي الوقت نفسه توسيع قاعدة الاكتشافات الجديدة.
«نورس».. من الاكتشاف السريع إلى ذروة تاريخية للإنتاج
هذا من جانب أخر يمثل حقل نورس أحد أهم النماذج التي يمكن الاستفادة منها عند تقييم استراتيجية الإسراع بتنمية الاكتشافات الغازية في مصر.
اكتُشف الحقل في يوليو 2015 في منطقة دلتا النيل، وبدأ الإنتاج بعد فترة قصيرة للغاية، مستفيدًا من قربه من البنية الأساسية القائمة. وتؤكد شركة إيني أن الإنتاج بدأ بعد نحو شهرين من الاكتشاف، وهو ما أصبح نموذجًا لسياسة تنمية الاكتشافات القريبة من التسهيلات الموجودة.
ووصل إنتاج نورس إلى مستويات قياسية لاحقًا؛ إذ أعلنت إيني وصول الإنتاج إلى 700 مليون قدم مكعبة يوميًا في سبتمبر 2016، بينما توضح بيانات الشركة أن الحقل بلغ ذروة تاريخية بلغت نحو 1.14 مليار قدم مكعبة يوميًا في مايو 2018.
ومن ثم، فإن الرقم المتداول البالغ 1.2 مليار قدم مكعبة يوميًا يجب التعامل معه باعتباره رقمًا مرتبطًا بمرحلة الذروة التاريخية للحقل، وليس باعتباره بالضرورة مستوى الإنتاج الحالي في 2026.
تصحيح مهم في بيانات ملكية وتشغيل نورس
تشير البيانات الرسمية لشركة إيني إلى أن امتياز أبو ماضي الغربي، الذي يقع فيه نورس، كان قائمًا على شراكة تضم إيني من خلال IEOC بنسبة 75%، وشركة BP بنسبة 25%، بينما تتولى بتروبل التشغيل نيابة عن الشركاء.
أما القول إن الحقل بدأ الإنتاج في يونيو 2015، فهو غير دقيق؛ فالاكتشاف تم في يوليو 2015، وبدأ الإنتاج بعد ذلك بفترة قصيرة، وهو ما تؤكده إيني بوضوح.
كذلك، فإن تقدير احتياطيات نورس بنحو 2 تريليون قدم مكعبة لا يظهر في المصادر الرسمية التي تم الرجوع إليها كرقم احتياطي مؤكد يمكن تقديمه بهذه الصيغة، ولذلك من الأفضل عدم إدراجه في تقرير مهني إلا إذا تم إسناده إلى وثيقة احتياطيات محددة.
اكتشاف «نيدوكو N-2».. إضافة جديدة إلى منطقة نورس
وفي تطور مهم خلال مايو 2026، أعلنت وزارة البترول تحقيق كشف جديد للغاز الطبيعي في دلتا النيل من خلال البئر الاستكشافية Nidoco N-2 بمنطقة غرب أبوماضي، بمعدل إنتاج مقدر بنحو 50 مليون قدم مكعبة يوميًا.
ويكتسب الكشف أهميته من موقعه القريب من البنية الأساسية القائمة، كما أن البئر حُفرت باستخدام تقنية الحفر المائل من البر باتجاه المنطقة البحرية، بما ساعد على خفض التكلفة وتعزيز كفاءة عمليات الحفر.
ويمثل هذا الكشف امتدادًا منطقيًا لاستراتيجية «الاستكشاف بالقرب من البنية الأساسية»، وهي الاستراتيجية نفسها التي ساعدت في تسريع تطوير نورس تاريخيًا.
الصحراء الغربية تدخل بقوة على خط زيادة الغاز
وبالتوازي مع النشاط البحري في المتوسط ودلتا النيل، شهدت الصحراء الغربية خلال 2026 اكتشافات جديدة تعزز رصيد الإنتاج المحلي.
ففي مارس، أعلنت وزارة البترول نجاح شركة أباتشي بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للبترول في تحقيق كشف غازي جديد بمنطقة جنوب كلابشة من خلال البئر الاستكشافية SKAL-1X، وأظهرت الاختبارات الأولية معدلات بلغت نحو 26 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، و2700 برميل من المتكثفات يوميًا.
وتبرز أهمية الكشف في قربه من مناطق عمل الشركة والبنية الأساسية القائمة، وهو ما يتيح تقليل تكاليف التطوير وتسريع وضع الاكتشاف على خريطة الإنتاج.
«واتدا».. كشف أحدث يضيف 40 مليون قدم مكعبة يوميًا
وفي يوليو 2026، ظهرت إضافة جديدة من الصحراء الغربية مع نجاح شركة خالدة للبترول، المشتركة بين الهيئة المصرية العامة للبترول وأباتشي، في تحقيق كشف غازي من خلال البئر الاستكشافية العميقة واتدا.
وأظهرت اختبارات الإنتاج النهائية معدلًا بلغ نحو 40 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميًا، بعد حفر البئر إلى عمق يقارب 15 ألف قدم. وبدأ ضخ الغاز من البئر في إطار توجه الوزارة إلى الإسراع بتنمية الاكتشافات الجديدة.
وبذلك أضافت الصحراء الغربية خلال فترة قصيرة مجموعة من الاكتشافات ذات معدلات إنتاج قابلة للربط السريع بالبنية القائمة، وهو ما يمنحها دورًا متزايدًا في خطة تعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول القديمة.
بين نورس وهارماتان.. تغير طبيعة استراتيجية الغاز المصرية
تكشف المقارنة بين نورس وهارماتان عن تحول مهم في طريقة إدارة موارد الغاز المصرية.
فـ«نورس» يمثل نموذجًا تاريخيًا لنجاح الاكتشاف القريب من البنية الأساسية والتطوير السريع؛ إذ ساعد وجود منظومة معالجة ونقل قائمة على اختصار الفترة بين الاكتشاف وبدء الإنتاج.
أما هارماتان فيمثل الجيل الجديد من المشروعات التي تستهدف إحياء الاكتشافات غير المنماة وتحويلها إلى إنتاج فعلي، مع استغلال البنية الأساسية القائمة في البحر المتوسط وربط الإنتاج بالشبكة المحلية.
وتزداد أهمية هذا النهج في ظل ارتفاع تكلفة إنشاء بنية تحتية بحرية جديدة، إذ يمكن لتوظيف المنشآت القائمة أن يخفض الاستثمارات المطلوبة ويقصر فترة استرداد تكلفة المشروع.
2026.. عام تسريع الحفر والاكتشافات
وتأتي هذه المشروعات ضمن برنامج أوسع لزيادة نشاط البحث والاستكشاف. فقد أعلنت وزارة البترول أن خطة 2026 تستهدف حفر أكثر من 100 بئر استكشافية للغاز والبترول بالتعاون مع شركاء الاستثمار.
وتوضح سلسلة الاكتشافات التي ظهرت خلال العام — من جنوب كلابشة إلى دلتا النيل ثم واتدا — أن السياسة الجديدة لا تعتمد على اكتشاف عملاق واحد، وإنما على تجميع زيادات إنتاجية من مشروعات وحقول متعددة يمكن إدخالها إلى الشبكة تدريجيًا.
الإنتاج الإضافي يأتي من عدة جبهات
أمام قطاع الغاز المصري حاليًا عدة مسارات متوازية لزيادة الإمدادات: هارماتان في البحر المتوسط، توسعات واستكشافات غرب أبوماضي ونورس في دلتا النيل، آتول وشمال دمياط، إلى جانب اكتشافات الصحراء الغربية مثل SKAL-1X وواتدا.
وفي هذا السياق، يمثل هدف هارماتان البالغ 200 مليون قدم مكعبة يوميًا إضافة مهمة، لكنه ليس رقمًا فوريًا؛ إذ تبدأ المرحلة الأولى عند نحو 150 مليون قدم مكعبة يوميًا، مع استهداف الوصول إلى 200 مليون لاحقًا.
أما نورس، فيبقى أحد أهم فصول قصة الغاز المصرية خلال العقد الماضي، لكن أرقام إنتاجه المرتفعة — ومنها 1.14 مليار قدم مكعبة يوميًا — ينبغي تقديمها باعتبارها ذروة تاريخية لا مؤشرًا مباشرًا على إنتاج 2026.
وبين الإرث الذي يمثله نورس والمشروعات الجديدة التي يمثلها هارماتان وواتدا وSKAL-1X، تبدو استراتيجية الغاز المصرية في المرحلة الحالية قائمة على معادلة واحدة: اكتشاف أسرع، وتنمية أسرع، وربط أسرع بالبنية الأساسية القائمة، بهدف تحويل كل زيادة ممكنة في الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي يدعم السوق المحلية
نوصى بقراءة :
