المحامي: القانون لا يحمي الذهب لأنه ذهب.. وتشديد العقوبات يجب أن يكون مدروسًا لا انفعاليًا

قال المستشار نزيه الحكيم، المحامي، إن واقعة سرقة المقتنيات ذات القيمة التاريخية والوطنية تفرض ضرورة إعادة النظر في مدى كفاية النصوص القانونية الحالية لمواجهة جرائم لا تستهدف القيمة المادية للشيء فقط، وإنما تمتد إلى قيمته الرمزية والتاريخية باعتبارها جزءًا من ذاكرة الوطن.

نزيه الحكيم يوضح الفرق بين الفعل المجرم وإخفاء الأشياء 

وأوضح الحكيم أن هناك فارقًا قانونيًا جوهريًا بين الفعل المجرّم بالفعل وفق النصوص القائمة، كجريمة السرقة أو إخفاء الأشياء المتحصلة منها مع العلم بمصدرها، وبين الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد يضع حماية خاصة للمقتنيات ذات القيمة التاريخية أو الوطنية أو الرمزية.

وأضاف أن الحاجة باتت قائمة إلى تشريع أكثر تحديدًا يواجه أفعال تغيير معالم تلك المقتنيات أو صهرها أو تفكيكها، متى كان الهدف من ذلك إخفاء مصدرها أو الحيلولة دون ضبطها أو ردها إلى صاحبها.

وشدد على أن هذه الدعوة لا تعني العقاب لمجرد ارتفاع قيمة الشيء، وإنما تستهدف وضع تمييز قانوني بين القيمة المالية للمسروق وقيمته الحضارية أو الوطنية أو الرمزية.

وقال الحكيم: «ليس منطقيًا أن تتساوى في الأثر القانوني سرقة قطعة ذهبية عادية يمكن تعويض صاحبها بقيمتها، مع سرقة وسام أو قلادة أو جائزة رسمية تمثل جزءًا من تاريخ الدولة أو سيرة صاحبها، ثم صهرها بحيث يصبح استردادها في صورتها الأصلية شبه مستحيل».

«المسؤولية لا تتوقف عند السارق»

وأكد الحكيم أن مواجهة هذه الجرائم لا ينبغي أن تتوقف عند يد السارق، مشيرًا إلى أن تجفيف سوق المسروقات يمثل جزءًا أساسيًا من سياسة الردع، لأن وجود من يشتري المسروق أو يقبله أو يساعد على تغيير معالمه يجعل الجريمة أكثر قابلية للاستمرار.

وأوضح أن إحكام الرقابة على المتعاملين في المعادن والمصوغات يمثل أحد المسارات المهمة لمواجهة هذه الظاهرة، مع ضرورة ربط المسؤولية الجنائية بتوافر العلم بمصدر الأموال أو الأشياء المتحصلة من الجريمة، وعدم التوسع في التجريم دون ضوابط، باعتبار أن المسؤولية الجنائية شخصية وأن العلم بمصدر المال يمثل عنصرًا جوهريًا في جريمة إخفاء المسروقات.

«لا نريد تشريعًا انفعاليًا»

وفيما يتعلق بتشديد العقوبات، شدد المحامي على ضرورة أن يكون أي تعديل تشريعي مدروسًا وليس انفعاليًا، موضحًا أن التشريع الجنائي الرشيد لا يكتفي بمجرد رفع العقوبات، وإنما يحدد بدقة ماهية المقتنيات التي تستحق حماية خاصة، والسلوكيات التي تشكل ظروفًا مشددة، والحالات التي يتحول فيها تغيير معالم المسروق أو صهره إلى ظرف يستوجب عقوبة أشد.

وأشار إلى أن واقعة قلادة النيل يمكن أن تمثل مناسبة مهمة لفتح هذا النقاش التشريعي بهدوء، بعيدًا عن ردود الفعل المؤقتة، وصولًا إلى معالجة قانونية أكثر شمولًا.

«القانون لا يحمي الذهب لأنه ذهب»

وأكد الحكيم أن جوهر القضية يتجاوز قيمة المعدن، قائلًا: «القانون لا يحمي الذهب لأنه ذهب، وإنما يحمي الحقوق والقيم التي يمثلها المال».

وأضاف أن الشيء المسروق عندما يحمل ذاكرة تكريم أو قيمة وطنية أو دلالة تاريخية، فإن صهره لا يعني إذابة معدن فقط، وإنما قد يعني إذابة جزء من ذاكرة وطن لا يمكن إعادة تصنيعها.

وتابع: «السؤال حول تشديد العقوبة مشروع وفي محله، لكن الإجابة الأعمق ليست فقط: "شددوا العقوبة"، وإنما: طوّروا التشريع بحيث يميز بين سرقة المال وسرقة الذاكرة، وبين الاستيلاء على شيء ثمين ومحاولة محو هويته إلى الأبد».

واختتم المستشار نزيه الحكيم تصريحه بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لبعض المقتنيات لا تكمن في المادة التي صنعت منها، وإنما فيما تحمله من معنى وتاريخ ورمزية، وهي قيم لا تُشترى بالمال ولا يمكن استردادها بعد أن تُمحى هويتها.