أعلن الأمين العام لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لشؤون المدارس في الأردن، نواف العجارمة، اليوم الأحد، أن بلاده توصلت إلى اتفاق مع مصر بشأن قبول الطلبة الأردنيين من خريجي «الحقل الصحي» في كليات الطب المصرية.

وجاء تصريح العجارمة خلال حديثه عن نظام الثانوية العامة الأردني الجديد، وتحديدًا مسار «الحقل الصحي»، ردًا على التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة خريجي هذا المسار على الالتحاق بكليات الطب خارج الأردن.

وأكد المسؤول الأردني أن وزارة التربية والتعليم الأردنية اتفقت مع الجانب المصري على قبول هؤلاء الطلاب، وهو ما يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات في مصر، خاصة مع ارتفاع الطلب على كليات الطب المصرية من جانب الطلاب العرب والوافدين.

وهنا يبرز السؤال الأهم الذي تحتاج الإجابة عنه إلى بيانات رسمية واضحة: كم يبلغ عدد الطلاب الأردنيين المتوقع قبولهم؟ وهل سيتم استيعابهم ضمن طاقة مخصصة للطلاب الوافدين، أم ستحتسب أعدادهم ضمن الطاقة الاستيعابية التي تحددها الدولة للكليات المصرية؟

فالفارق بين الحالتين جوهري، ويحدد بشكل مباشر طبيعة تأثير قبول الطلاب الوافدين على فرص الطلاب المصريين.

مقاعد الوافدين.. هل تؤثر على فرص الطلاب المصريين؟

إذا كان قبول الطلاب الأردنيين سيتم من خلال مقاعد مخصصة للطلاب الوافدين خارج الأعداد التي يحددها نظام التنسيق للطلاب المصريين، فإن الحديث عن وجود منافسة مباشرة على مقاعد المصريين يحتاج إلى بيانات وأرقام تثبت ذلك.

أما إذا كان قبول الطلاب الوافدين يتم داخل الطاقة الاستيعابية الفعلية للكليات، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية، خاصة في الكليات الطبية التي لا يمكن زيادة أعداد طلابها بصورة مفتوحة، بسبب ارتباط العملية التعليمية بإمكانات المعامل والتدريب الإكلينيكي وأعضاء هيئة التدريس والمستشفيات الجامعية.

ومن هنا، فإن الإعلان عن الاتفاق بين مصر والأردن لا يكفي وحده لحسم الجدل، وإنما تظل التفاصيل الخاصة بأعداد المقبولين وآليات احتسابهم والطاقة الاستيعابية المحددة لكل كلية هي العامل الأساسي في تقييم تأثير القرار.

المنافسة على كليات الطب.. أرقام تكشف حجم الضغط

تأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى الأسر المصرية، في ظل المنافسة القوية على الالتحاق بكليات القطاع الطبي في الجامعات الحكومية.

وبلغ الحد الأدنى للقبول بكليات الطب هذا العام نحو 94.06%، فيما سجل الحد الأدنى للقبول بكليات طب الأسنان 93.28%، والعلاج الطبيعي 92.34%، والصيدلة 92.03%.

وتعكس هذه النسب حجم المنافسة على المقاعد المحدودة، إذ أصبح الفارق بين طالب وآخر في بعض الأحيان لا يتجاوز أجزاء بسيطة من الدرجة، بينما يتنافس آلاف الطلاب على عدد محدود من الأماكن داخل الكليات الطبية.

ومن ثم، فإن أي نقاش يتعلق بإضافة أعداد جديدة أو فتح مسارات قبول أخرى داخل الجامعات الحكومية يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر المصرية، التي تنظر إلى كل مقعد جامعي باعتباره فرصة محدودة ينبغي معرفة آليات توزيعها وأولويات الحصول عليها.

دعوى أمام مجلس الدولة بشأن قبول غير المصريين

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع دعوى أقامها المحامي الدكتور هاني سامح أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، طالب فيها بوقف وإلغاء القرارات المنظمة لقبول وقيد الأجانب والمهاجرين وغير المصريين في الجامعات والمعاهد الحكومية.

وتشمل الدعوى الطلاب الوافدين واللاجئين وغيرهم من غير المصريين، وتطالب في جوهرها بقصر المقاعد والطاقة الاستيعابية في الجامعات الحكومية على الطلاب المصريين، مع وضع استثناء محدود لأصحاب النبوغ العلمي الدولي، مثل الفائزين في الأولمبيادات العالمية أو أصحاب الإنجازات البحثية المتميزة، بشرط ألا يؤثر قبولهم على فرص الطلاب المصريين.

واختصمت الدعوى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، ورئيس المجلس الأعلى للجامعات، ورئيسي جامعتي القاهرة وعين شمس.

لكن من المهم التأكيد على أن إقامة الدعوى لا تعني أن المحكمة أقرت بصحة ما ورد فيها، كما لا تعني أن قبول الطلاب الوافدين يمثل بالفعل مخالفة للقانون أو أنه يحرم الطلاب المصريين من مقاعدهم.

فهذه مسائل تخضع للفحص القضائي، كما أن إثبات وجود منافسة فعلية بين الطلاب الوافدين والمصريين يحتاج إلى بيانات رسمية توضح أعداد المقبولين وطريقة احتسابهم داخل الطاقة الاستيعابية لكل كلية.

لماذا تستند الدعوى إلى قرار عام 2015؟

وتستند الدعوى إلى خلفية قانونية تتعلق باللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، حيث كانت المادة 74 تضع حدًا أقصى لنسبة الطلاب غير المصريين في الكليات مقارنة بأعداد الطلاب المصريين.

إلا أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 82 لسنة 2015 ألغى هذا السقف، وأصبح تحديد أعداد الطلاب غير المصريين من اختصاص المجلس الأعلى للجامعات.

وترى الدعوى أن إلغاء الحد النسبي دون وضع سقف بديل واضح يمكن أن يثير تساؤلات حول مدى تأثير أعداد الطلاب الوافدين على الطاقة الاستيعابية للكليات.

وبذلك لا تتحول القضية إلى مجرد نقاش حول قبول الطلاب الأجانب، وإنما تمتد إلى قضية أوسع تتعلق بكيفية إدارة موارد التعليم الحكومي وتحديد الطاقة الاستيعابية وآليات توزيع المقاعد بين الفئات المختلفة.

هل ينافس الطلاب الوافدون المصريين بالفعل؟

تظل هذه النقطة هي الأكثر احتياجًا إلى إجابة رسمية مدعومة بالأرقام، إذ لا يمكن إثبات أن الطلاب الوافدين ينافسون الطلاب المصريين على مقاعد الجامعات الحكومية لمجرد وجود مسارين مختلفين للقبول.

وتحتاج الصورة إلى الكشف عن عدد من البيانات الأساسية، أبرزها: كم عدد المقاعد التي يشغلها الطلاب الوافدون؟ وهل تدخل هذه المقاعد ضمن الطاقة الاستيعابية المخصصة للطلاب المصريين؟ وهل توجد أعداد أو نسب مستقلة للطلاب الوافدين؟ وما حجم أعدادهم داخل الكليات الطبية تحديدًا؟ وهل تؤثر زيادة أعدادهم على أعداد المقبولين من المصريين أو على جودة التدريب والتعليم؟

فإذا كانت الدولة تحدد لكل كلية طاقة استيعابية معينة، ثم يتم قبول طلاب وافدين داخل هذه الطاقة على نحو يقلل عدد المقاعد المتاحة للطلاب المصريين، فإن الأمر يحتاج إلى مراجعة وبيان رسمي واضح.

أما إذا كان قبول الطلاب الوافدين يتم من خلال أعداد إضافية ونظام مستقل لا يؤثر على الأماكن المحددة للطلاب المصريين، فإن طبيعة القضية تصبح مختلفة تمامًا.

الكليات الطبية.. الطاقة الاستيعابية ليست مجرد مقاعد

تزداد حساسية هذا الملف عند الحديث عن الكليات الطبية تحديدًا، إذ إن مقعد الطالب في كلية الطب لا يقتصر على مكان داخل المدرج أو الحرم الجامعي، وإنما يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل المعامل، وأعضاء هيئة التدريس، والأجهزة الطبية، وساعات التدريب العملي، والمستشفيات الجامعية، بالإضافة إلى عدد الحالات المرضية التي يحتاج إليها الطالب لاكتساب الخبرة الإكلينيكية.

ولهذا فإن زيادة أعداد الطلاب دون زيادة موازية في الإمكانات التعليمية والتدريبية قد تفرض ضغوطًا على جودة التعليم والتدريب الطبي، وهو ما يجعل تحديد الطاقة الاستيعابية للكليات الطبية مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد حساب عدد المقاعد المتاحة.

السؤال الذي ينتظر إجابة من التعليم العالي

وبين الاتفاق المصري الأردني بشأن قبول طلاب «الحقل الصحي» في كليات الطب المصرية، والجدل القانوني القائم حول أعداد الطلاب غير المصريين في الجامعات الحكومية، تبرز الحاجة إلى بيانات رسمية تحسم طبيعة آليات القبول وحجم تأثيرها.

ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة واضحة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: هل قبول الطلاب الأردنيين والطلاب الوافدين عمومًا يؤثر على فرص الطالب المصري في الالتحاق بالكليات الطبية الحكومية، أم أن لهم مسارات وأعدادًا مستقلة لا تنتقص من الطاقة المخصصة للطلاب المصريين؟

الإجابة عن هذا السؤال بالأرقام، وليس بالتقديرات، هي التي يمكن أن تحسم الجدل وتوضح للرأي العام حقيقة توزيع المقاعد داخل الجامعات الحكومية، خاصة في كليات الطب التي تشهد منافسة غير مسبوقة بين الطلاب.