لم تعد النظارة مجرد أداة تقليدية لتحسين الرؤية، بعدما دخلت التكنولوجيا إلى أحد أكثر الأشياء التصاقًا بالإنسان في حياته اليومية. فالنظارات الذكية التي بدأت في الظهور رسميًا أمام المستهلك المصري، تنقل هذا المنتج من مجرد وسيلة لتحسين الرؤية إلى جهاز إلكتروني قادر على التصوير والاستماع والتفاعل مع المستخدم والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتروج الإعلانات التجارية للنظارات الذكية باعتبارها أجهزة مزودة بكاميرات وميكروفونات وسماعات، بما يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الاستخدامات، تبدأ من التقاط الصور وتسجيل الفيديو، وتمتد إلى استقبال الأوامر الصوتية والتفاعل مع البيئة المحيطة، وصولًا إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأشياء والأماكن والمشاهد.
لكن خلف هذه القدرات التكنولوجية المتقدمة، يبرز سؤال مختلف تمامًا عن الوظائف التي تعلنها الشركات:
ماذا نعرف عن النظارة نفسها قبل أن تصل إلى وجه المستهلك؟
كيف تعمل النظارة الذكية؟
تعتمد النظارات الذكية على مجموعة من المكونات الإلكترونية المصغرة المدمجة داخل إطار النظارة، من بينها كاميرا أمامية، وميكروفونات، وسماعات مفتوحة، وبطارية، إلى جانب وحدات اتصال مثل «بلوتوث» و«واي فاي».
ويستطيع المستخدم، بحسب إمكانات الطراز والتطبيق المصاحب له، إعطاء أوامر صوتية للنظارة مثل التقاط صورة أو الاستفسار عن شيء موجود أمامه. وفي هذه الحالة تلتقط الكاميرا المشهد، ثم تتم معالجة البيانات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء على الجهاز نفسه أو من خلال خدمات سحابية، لتقديم الاستجابة المناسبة.
ولا تقتصر وظيفة الكاميرا بالضرورة على التقاط الصور أو تسجيل الفيديو؛ ففي بعض التطبيقات يمكن استخدامها باعتبارها مستشعرًا بصريًا يساعد الجهاز على فهم البيئة المحيطة بالمستخدم، وهو ما ينقل الكاميرا من كونها أداة للتصوير إلى جزء أساسي من منظومة الإدراك والتفاعل.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة المتعلقة بالخصوصية والأمن السيبراني وسلامة سلسلة التوريد.
من «منتج إلكتروني» إلى جهاز يحمل كاميرا وميكروفون
المسألة لا تتعلق فقط بما يستطيع المستخدم فعله بالنظارة، وإنما أيضًا بما يستطيع الجهاز نفسه فعله، وما البيانات التي يتعامل معها، وإلى أين يمكن أن تذهب تلك البيانات، ومن يملك القدرة على الوصول إليها أو تحديث النظام الذي يديرها.
فالنظارة الذكية ليست جهازًا إلكترونيًا مستقلًا بالمعنى التقليدي؛ إذ يمكن أن تتصل بالهاتف المحمول وبالإنترنت، وقد تعتمد بعض وظائفها على تطبيقات وخدمات سحابية وتحديثات برمجية.
وبالتالي فإن تقييم سلامتها لا ينبغي أن يتوقف عند فحص شكلها الخارجي أو مكوناتها الإلكترونية عند دخولها السوق، وإنما يجب أن يمتد إلى منظومة كاملة تشمل المصنع، والمورد، والموزع، والبرمجيات، والتطبيقات، والتحديثات، وآليات الاتصال، والبيانات التي يجري جمعها ومعالجتها.
وهذا يطرح سؤالًا أكثر دقة:
إذا كانت النظارة ستصبح جهازًا متصلًا بالإنترنت ومزودًا بكاميرا وميكروفونات، فمن المسؤول عن ضمان سلامتها طوال فترة استخدامها، وليس فقط في لحظة بيعها؟
درس لبنان.. لماذا تصبح سلسلة الإمداد جزءًا من معادلة الأمن؟
لا يعني طرح هذه الأسئلة رفض التكنولوجيا أو التشكيك في كل منتج ذكي يدخل السوق، كما لا يعني افتراض وجود خطر أمني في كل نظارة ذكية.
لكن التجارب الحديثة أثبتت أن أمن الأجهزة الإلكترونية لا يرتبط دائمًا بالبرمجيات وحدها، وإنما يمكن أن يبدأ قبل أن يصل الجهاز إلى المستهلك.
وتقدم أحداث لبنان في سبتمبر 2024 مثالًا صارخًا على أهمية النظر إلى سلسلة الإمداد باعتبارها أحد مكونات أمن الأجهزة الإلكترونية، بعدما كشفت التحقيقات والتقارير المتعلقة بانفجارات أجهزة اتصال «بيجر» وأجهزة لاسلكية عن تعقيدات واسعة تتعلق بمصدر الأجهزة ومسار وصولها إلى المستخدمين والتلاعب الذي جرى بها.
وهنا تكمن أهمية الدرس بالنسبة إلى أي سوق يستقبل أجهزة إلكترونية متصلة أو ذكية: سلامة الجهاز لا ينبغي أن تُفترض لمجرد أن المنتج يحمل اسم علامة تجارية معروفة أو وصل عبر قناة بيع رسمية.
فكلما زادت مكونات الجهاز تعقيدًا، وأصبح متصلًا بالشبكات وقابلًا للتحديث، زادت أهمية معرفة رحلة المنتج منذ خروجه من المصنع وحتى وصوله إلى المستهلك.
ماذا يجب أن تعرفه الجهات المختصة؟
مع انتشار هذا النوع من المنتجات في السوق المصرية، تبرز الحاجة إلى منظومة فحص لا تكتفي بالتأكد من مطابقة المنتج للمواصفات التقليدية، وإنما تنظر أيضًا إلى طبيعة الجهاز بوصفه منظومة إلكترونية متصلة.
ويشمل ذلك التحقق من هوية المصنع والمورد والموزع، ومسار دخول المنتج إلى السوق، والتأكد من مطابقة النسخ المتداولة للمواصفات المعلنة من الشركة المنتجة.
كما يجب التمييز بوضوح بين المنتجات الرسمية والنسخ المقلدة أو غير المعتمدة، خصوصًا أن التقليد في الأجهزة الذكية لا يعني بالضرورة اختلاف الشكل الخارجي فقط، وإنما قد يمتد إلى المكونات الداخلية والبرمجيات وآليات الاتصال.
وهنا يصبح فحص مكونات الجهاز مسألة تتجاوز الجودة التجارية إلى الأمن التقني، خصوصًا عندما يحتوي المنتج على كاميرا وميكروفونات ووسائل اتصال لاسلكية.
ماذا عن التحديثات؟
هناك جانب آخر ربما يكون أكثر أهمية وأقل وضوحًا للمستهلك: التحديثات البرمجية.
فالجهاز الذي يصل إلى السوق اليوم قد لا يظل يعمل بالبرمجيات نفسها طوال سنوات استخدامه. وقد تصدر الشركة المنتجة تحديثات تضيف وظائف جديدة أو تعدل طريقة عمل وظائف قائمة أو تغير آليات الاتصال بين الجهاز والهاتف والخدمات السحابية.
ومن هنا يصبح السؤال:
من يملك مفاتيح تحديث الجهاز؟ وكيف تتم عملية التحديث؟ وما الجهة التي تتحقق من أن التحديث القادم إلى الأجهزة الموجودة بالفعل في السوق صادر عن المصدر الصحيح ولم يجر التلاعب به؟
هذه الأسئلة لا تعني أن التحديثات تمثل خطرًا في حد ذاتها؛ بل على العكس، التحديثات المنتظمة تعد جزءًا أساسيًا من حماية الأجهزة المتصلة. لكن وجود نظام تحديث عن بُعد يعني أن تقييم أمن الجهاز لا يمكن أن يكون إجراءً يتم مرة واحدة عند دخوله السوق ثم ينتهي.
سلامة النظارة يجب أن تمتد إلى «دورة حياتها»
هنا تكمن القضية الأساسية. في الأجهزة التقليدية، قد يكون فحص المنتج قبل طرحه في السوق كافيًا إلى حد كبير لضمان مطابقته للمواصفات. أما الأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت، فالمعادلة أكثر تعقيدًا.
فالجهاز يتغير مع تحديثاته، ويتصل بأجهزة أخرى، ويعتمد على تطبيقات وخدمات خارجية، ويتعامل مع بيانات، وقد يحصل على وظائف لم تكن موجودة عند شرائه.
ولهذا فإن التعامل مع النظارة الذكية باعتبارها مجرد «نظارة تحتوي على كاميرا» يقلل من طبيعتها التقنية الحقيقية.
هي في النهاية جهاز إلكتروني قابل للاتصال وجمع البيانات والتحديث، وقد يحمل على وجه المستخدم مباشرة كاميرا وميكروفونات وأنظمة اتصال.
ومن ثم فإن سلامته يجب أن تُقاس عبر دورة حياته كاملة:
من المصنع → إلى سلسلة التوريد → إلى المستورد → إلى الموزع → إلى السوق → إلى المستهلك → إلى التطبيقات والخدمات السحابية → وصولًا إلى التحديثات المستقبلية.
التكنولوجيا ليست المشكلة.. غياب الرقابة هو السؤال
لا تحتاج مصر إلى التعامل مع النظارات الذكية بمنطق الخوف من التكنولوجيا أو منع المنتجات الجديدة لمجرد أنها تحمل قدرات غير مسبوقة.
المطلوب هو العكس تمامًا: استقبال التكنولوجيا، لكن بقواعد واضحة للسلامة والأمن والخصوصية.
فالمستهلك من حقه أن يستفيد من التكنولوجيا الجديدة، لكن من حقه أيضًا أن يعرف طبيعة الجهاز الذي يضعه على وجهه، وما الذي يستطيع جمعه من بيانات، وكيف يتصل بالإنترنت، ومن يقف وراء تحديثاته، وما الضمانات الموجودة للتأكد من سلامة المنتج طوال فترة استخدامه.
ومع انتقال الأجهزة الذكية من الهواتف والساعات إلى النظارات التي تتحرك مع الإنسان في الأماكن العامة والخاصة، فإن النقاش لم يعد متعلقًا بالراحة أو الابتكار فقط.
إنه نقاش حول حدود الأجهزة الذكية، وأمن سلسلة توريدها، وحماية بيانات مستخدميها، والقدرة على مراقبة سلامتها بعد وصولها إلى السوق.
وفي النهاية، لا يكفي أن نعرف أن النظارة تستطيع أن ترى وتسمع وتصور.
السؤال الأهم: من يضمن أنها تظل آمنة طوال الوقت الذي تكون فيه على وجه المواطن المصري؟
