تمر بنا كلَّ عام ذكرى ميلاد الهادي البشير، الذي أرسله ربه رحمة خالصة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وهذه الرحمة المهداة للأمَّة أخرجت النَّاس من ظلمات الجهل إلى نور العلم كما بين كتاب ربِّنا:{... لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، ومن عبادة الأحجار إلى عبادة الواحد القهار، ومن قلوب أشد قسوة من أصلب الحجارة تدفع الأب لوأد ابنته بدم بارد غير مكترث بفزعها، وهي تلفظ أنفاسها خنقًا بالتراب الذي يهيله عليها حتى ترقد هامدة :{ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}، إلى الشفقة والرحمة بفلذات الأكباد، ومن الشدة في الباطل قبل الحقِّ إلى اللين في موضعه، والشدة والحزم في موضعه، { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...}

ومن شريعة غاب ترى الحقَّ والحسن في تحقيق المصالح ولو كانت على حساب ظلم الآخر، جعلت واحدًا منهم يقول: العدل هو أن أُغير على جاري لآخذ غنمه، والظلم هو أن يغير علي جاري ليسترد غنمه، حين سئل عن معنى العدل والظلم، إلى شريعة العدل، والإنصاف، وإحقاق الحقِّ، ولو فوَّت مصلحة خاصة جعلت رسول الحقَّ يقول لحبيبه أسامة بن زيد حين شفَّعوه في المخزوميَّة التي سرقت" أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ".

ومن مجتمع لا أمان فيه إلا لقوي متجبِّر إلى مجتمع تأمن فيه الغنم سطو الذئاب التي تشاركها المرعى، ومن مجتمع ينتشر فيه الفسق والفجور، وترفع له رايات، إلى مجتمع العفَّة والطهارة والنقاء، يحتل فيه العِرض خُمْسَ أهداف شريعته، ويشرع لحفظه حدين من حدودها العقابيَّة؛ حد القذف للمعتدي على العرض بالقول، وحد الجلد أو الرجم حتى الموت للمعتدي عليه بالفعل خارج إطاره الشرعيّ.

ومن مجتمع تنحصر مهمة المرأة فيه على امتاع الزوج، وإنجاب الأبناء، إلى مجتمع تشارك المرأة فيه الرجل في كافَّة الحقوق والواجبات ،وتستقل بذمتها الماليَّة عن أبيها وزوجها، فلا سلطان لأحدهما على قرارها المتعلق بمالها، ولها نصيبها المفروض في تركة من مات منهما، ومن مجتمع تخصص القبائل أبرع شعرائها لينظم قصائد الفخر، والتباهي بالآباء والأجداد، وقوة الفرسان، إلى مجتمع ارتفع فيه سلمان الفارسي على غالب وجهاء قريش:" سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" ،"كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَيَكُونَنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجَعْلَانِ".

لقد كان ميلاد البشير إيذانًا ببزوغ فجر جديد، وما تصدع إيوان كسرى، وانطفاء النار المعبودة ،وجفاف بحيرة ساوى، وحماية الكعبة من غير دفاع من البشر، وخيبة أبرهة الحبشي وجنوده، وفقده السيطرة حتى على فيله؛ إلا تهيئة وتوطئة لنجاح الرسالة التي يحملها المولود القرشي حين يبلغ الأربعين، وفور بلوغها انطلقت مسيرة إصلاح الكون، بهدي وحي ربط الخلق بالخالق عن طريق هذا الرسول الخاتم، الذي بلَّغ رسالته إلى كثير من سكان الأرض في وقت لم تكن طائرات، أو سيارات، أو فضائيَّات، أو حتى وسائل الاتصال التي تعين على التواصل، ونقل الرسائل، وحدث كلُّ هذا في أقلَّ من ربع قرن من الزمان ، وهي مدة يستغرقها طالب علم حتى يحصل على درجة الدكتوراه متى كان مجدًّا، وربما يستغرقها أو يزيد إنشاء مشروع استثماري حتى يبدأ انتاجه؛ ليكون ما أنجز في هذه الفترة القصيرة بحسابات السنين أشبه بمعجزة من معجزات كثيرة أيَّد الله بها رسوله، وظلَّت بركتها تصحب صحابته من بعده، ليواصلوا تبليغ الرسالة حتى بلغت أقاصي الأرض من كافة اتجاهاتها.

ونحن اليوم ونحن نحتفي بذكرى ميلاد الهادي ما أحوجنا إلى أن نقف مع النفس وقفات، تعود بالإيجاب على طريقة تفكيرنا وسلوكياتنا، وتبتعد كثيرًا عن تضييع الوقت في موضوعات مستهلكة جدليَّة، لاتسمن ولا تغني من جوع، كحكم الاحتفال بمولده وإخوته من الأنبياء، وحكم شراء الحلوى، وبخاصة ما صنع على هيئة التماثيل، وكأننا يُخْشَى علينا أن نخر لها ساجدين!

علينا أن نعرض عن مثل هذا التناول الجدلي العقيم، ويكفيك إن كنت مشغولًا بموضوعه ترك الاحتفال، ومقاطعة الحلوى بأشكالها، فلم يقل لك أحد إنَّ الاحتفال من أركان الدين، وتاركه سيكون في قعر الجحيم، ولم يقل لك أحد: إنَّ شراء الحلوى من فروض الأعيان، أو الكفايات؛ بل ولا حتى من السنن أو المندوبات، فإن أردت الاحتفال فافعل، وإن لم ترد فاترك، واترك الحديث في الأمر، وانشغل بفرائض دينك، وانظر في سلوكيَّات حياتك.

إنَّ الاحتفال الإيجابي بذكرى ميلاد رسولنا يكون من خلال وقفات مع النفس نطرح فيها جملة من الأسئلة: لماذا لم يستمر انتشار الإسلام على نفس وتيرته في عهد رسولنا- صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وتابعيهم في عصور الإسلام الزاهرة؛ حيث لو استمر بنفس وتيرته لكان المسلمون اليوم أكثر سكان الأرض ؟ لماذا هذا التراجع العلمي، والاقتصادي، في مجتمعات المسلمين عنه في أمم لاتتبع دينًا كديننا، ولاتملك كتابًا حافلًا بالإعجاز العلمي الذي يكتشفه نوابغ العلماء في كافة مجالاتهم على اختلاف دياناتهم ، ففور توصلهم إلى ما يظنونه سبقًا علميًّا لم يسبقوا إليه يجدونه في ثنايا آية استقرت في كتاب ربِّنا من قبل وفاته – صلى الله عليه وسلم- لافرق بين علوم الأرض، ولا الفضاء، ولا الفلك؟

لماذا هذا التباين بين ما نحن عليه، وماكان عليه سلفنا الصالح من الصحابة، وتابعيهم في كافة المجالات، والذي هو لصالحهم وليس لصالحنا في كافة مجالات العبادة والحياة؟ لماذا هذا التراجع المخيف في مجالات الأخلاق، والسلوكيَّات، وفي مجال الأعمال والإنتاج حتى غدا المسلم يطمئن لسلامة وجودة منتج غير المسلمين أكثر من اطمئنانه إلى منتجات المسلمين؟ لماذا هذا الخوف من الإسلام وإلصاق تهم الإرهاب ونبذ الآخر بالمسلمين؟ لماذا تقطعت الأرحام، وأصبح الأبناء يتباهون بعقوق الوالدين وتمردهم عليهم؟ لماذا هان على كثير من الآباء تضييع أبنائهم، والتخلي عن مسؤوليَّاتهم تجاههم من أجل نزوة أو ضعف همَّة؟ لماذا هان على بعض الأمهات، وهنَّ الحانيات التنكيل بأطفالهن إمعانًا في الانتقام من أزواجهن السابقين؟ كيف هان على بعض الأمهات الاشتراك مع عشيقها في قتل فلذات أكبادها وزوجها من أجل متعة حرام؟ لماذا يخاصم الأخ أخاه وأخته من أجل حفنة ميراث، أو حقد، أو حسد لتفاوت في الأرزاق؟ لماذا يتباهى كثير من الشباب بترك الصلاة والصيام....؟لماذا يندر في مجتمعنا ونحن أمَّة محمد أن تجد علاقة سوِّية بين الجيران مع وصية الشرع الذي نتبعه بهم، والتي كادت تجعل للجار نصيبًا في تركة جاره، وكأنَّه من أقاربه المقربين؟. لماذا نغفل عن الآخرة، وهي أقرب إلينا من حبل الوريد ، وإن كنت لا تعلم؛ فتفقد صفحات التواصل، التي باتت كأنَّها صفحات وفيات الجرائد؟!.

لو كنا نريد الاحتفال بصاحب الذكرى حقًّا فلنبدأ بالإجابة عن هذه الأسئلة ومثلها كثير، وساعتها سنكتشف أنَّ السبب يرجع لتقصيرنا وبعدنا عن كتاب ربِّنا وسنة نبينا، وأنَّ احتفالنا بشراء الحلوى، وبعض المديح ليس هو الاحتفال المعبّر عن الحب للهادي البشير، فالمحبُّ للمحبِّ مطيع ، وغالب حالنا لايؤكد هذا الحبَّ وإن زعمناه، فليكن احتفالنا بعزم ونيَّة على تصحيح المسار، والتدارك قبل فوات الأوان، وكلُّ عام وأنتم بخير.