يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر في مدينة آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، لبحث ملفات الاقتصاد العالمي، من النمو واختلالات التجارة إلى الدين السيادي وسلاسل الإمداد.

لكن اجتماع هذا العام ينعقد تحت ظل الحرب مع إيران، إذ تستعد إدارة الرئيس دونالد ترامب لاستخدام نفوذها المالي للضغط على الدول الأعضاء لقطع ما تبقى من علاقاتها الاقتصادية مع طهران.

و يعتزم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت طرح الملف خلال اجتماعاته الثنائية، ملوحًا بتوسيع العقوبات الثانوية التي قد تطال شركات ومصارف أجنبية تتعامل مع الاقتصاد الإيراني.

ولا تبدو مهمة واشنطن سهلة، فالصين تشتري الجزء الأكبر من النفط الإيراني المخفض، بينما تملك الهند وتركيا وأوروبا مصالح اقتصادية واستراتيجية مع طهران تجعل القطيعة الكاملة أكثر كلفة. لذلك، لا يقتصر اختبار مجموعة العشرين على مستقبل العلاقات الاقتصادية مع إيران، بل يمتد إلى قدرة الولايات المتحدة على تحويل قوة الدولار والنظام المالي العالمي إلى أداة ضغط جماعي. 

كان بيسنت حذر من توسيع نطاق الأنشطة التجارية الخاضعة للعقوبات الثانوية، فيما طالبت واشنطن الدول الأخرى بالامتثال لحملتها إذا أرادت استمرار وصولها إلى النظام المالي الغربي. ومن المتوقع أن يتكرر هذا التحذير في كل لقاء ثنائي يعقده الوزير الأمريكي على هامش اجتماع آشفيل.

ويمنح انعقاد الاجتماع على الأراضي الأمريكية، إدارة ترامب أفضلية رمزية وسياسية. فالولايات المتحدة تترأس مجموعة العشرين هذا العام، وتحاول إعادة توجيه أجندة المجموعة نحو أولوياتها، في خفض اختلالات التجارة، وزيادة تنافسية الشركات الأمريكية، وتأمين سلاسل توريد الموارد الحيوية، وخفض كلفة الاقتراض الحكومي. لكن إدراج إيران في هذا المسار يهدد بتحويل المنتدى الاقتصادي إلى ساحة صراع على قواعد النظام العالمي.

ويرى جوش ليبسكي، الباحث في المجلس الأطلسي، أن غياب الوحدة داخل مجموعة السبع، نتيجة الخلافات التجارية والسياسية بين واشنطن وشركائها، يجعل من الصعب الوصول إلى توافق في القضايا الحساسة داخل مجموعة العشرين. 

وأضاف أن معظم الدول قد تستمع باحترام إلى المطالب الأمريكية، لكنها ستبقى حذرة بسبب الضغوط الاقتصادية التي تواجهها هي وواشنطن على حد سواء. 

تبدو الصين الاختبار الأكبر للضغط الأمريكي. فبكين تشتري الجزء الأكبر من النفط الإيراني المخفض، وتملك قنوات تجارية ومالية واسعة مع طهران. وقد أكدت أنها "ستدافع بحزم عن حقوقها ومصالحها".

وتطرح هذه المواجهة سؤالًا يتجاوز العقوبات على إيران: هل تملك واشنطن الاستعداد للذهاب إلى صدام مباشر مع الصين إذا استمرت الشركات والمصارف الصينية في تمويل تجارة النفط الإيراني؟ ففرض عقوبات على مؤسسات صينية قد يفتح جبهة إضافية في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة أصلًا نزاعًا تجاريًا واسعًا مع بكين.

ويقول محللون اقتصاديون إن الصين تستطيع تقليص أثر العقوبات عبر استخدام عملات بديلة، أو ترتيبات مقايضة، أو شبكات مالية خارج النظام الغربي. لكن الشركات الكبرى والمصارف المرتبطة بالأسواق الدولية ستظل معرضة لخطر العقوبات، ما يجعل الموقف الصيني مزيجًا من التحدي السياسي والحساب الاقتصادي.

كذلك لا تبدو الهند مستعدة للاختيار السريع بين واشنطن وطهران. فنيودلهي تحاول الحفاظ على علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تأمين الطاقة وتنويع شركائها، كما أن لديها مصالح تجارية واتصالات إقليمية مع إيران. لذلك يرجح أن تبحث عن صيغة وسط، تؤكد التزامها بالقواعد الدولية من دون إغلاق جميع القنوات مع طهران.

أما تركيا، فتملك حدودًا وعلاقات تجارية وطاقة مع إيران تجعل الانفصال الكامل أكثر كلفة. وقد تضطر أنقرة إلى التفاوض على استثناءات أو قنوات محدودة، خصوصًا إذا اتسعت العقوبات لتشمل قطاعات الطاقة والنقل والتمويل.

وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن المعضلة أكثر تعقيدًا. فمن جهة، ترتبط دوله أمنيًا بالولايات المتحدة ولا تريد مواجهة عقوبات ثانوية على بنوكها وشركاتها. ومن جهة أخرى، فإن الانصياع الكامل لواشنطن قد يضعف استقلالية القرار الأوروبي ويؤكد أن بروكسل لا تملك سياسة خارجية واقتصادية مستقلة في الأزمات الكبرى.

وفي تصريح ، قال الباحث الفرنسي في الشأن الإيراني دافيد ريغوليه-روز : إن اجتماع مجموعة العشرين سيمنح ترامب فرصة للضغط على دول الاتحاد الأوروبي وتركيا للانضمام إلى المقاطعة الاقتصادية لطهران، فيما ستسعى الهند إلى تبني موقف متوازن. 

لكنه اعتبر أن "المسألة الحقيقية" تتعلق بالصين، التي تشتري معظم النفط الإيراني المخفض، متسائلًا عما إذا كانت واشنطن مستعدة لمعاقبة الشركات والبنوك الصينية التي تمول هذه التجارة.

وبحسب الخبير الفرنسي فإن المعركة لا تدور فقط حول خنق الاقتصاد الإيراني، بل حول قدرة الولايات المتحدة على فرض تعريفها للالتزام الدولي. فإذا استجابت العواصم الكبرى، ستعزز واشنطن فاعلية العقوبات الثانوية والدولار كسلاح سياسي. أما إذا قاومت الصين أو لجأت الهند وتركيا وأوروبا إلى ترتيبات بديلة، فقد تسرّع حملة الضغط نشوء مسارات مالية وتجارية أقل اعتمادًا على النظام الأمريكي.

وفي النهاية، يواجه أعضاء مجموعة العشرين خيارًا بالغ الحساسية: إما مسايرة الحملة الأمريكية لحماية المصالح المالية، وإما الإبقاء على قنوات التعامل مع إيران وتحمل مخاطر العقوبات. 

وقد لا يخرج الاجتماع بقرار جماعي صريح، لكن مجرد تحويل منصة مالية عالمية إلى ساحة لفرض المقاطعة سيكشف حدود النفوذ الأمريكي، وحدود استعداد خصوم واشنطن وحلفائها لدفع ثمن مخالفة إرادتها.

للمذيد إسرائيل"تتهم"حزب الله بإنتهاك الإتفاق الإطاري في المناطق التجريبية جنوب لبنان

للمذيد «لمشاركته في تسليح عصابات».."اوغندا"تعلن عن تسليم عسكري متقاعد الي أمريكا