تتجه الأوضاع في جنوب لبنان نحو مزيد من التعقيد، في ظل استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي، وتراجع فرص التوصل إلى تفاهم قريب مع «حزب الله» بشأن الواقع الأمني والعسكري، بالتزامن مع تعثر المساعي السياسية بين بيروت وتل أبيب، وتزايد الجدل داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

ويأتي ذلك في وقت يتمسك فيه «حزب الله» برفض التفاهمات التي توصل إليها الجانبان اللبناني والإسرائيلي خلال المفاوضات التي استضافتها روما، وسبقتها اتصالات في واشنطن، بما في ذلك اتفاق الإطار والمناطق التجريبية المقترحة في الجنوب، الأمر الذي يضيّق مساحة المناورة أمام أي تسوية سياسية أو أمنية في المدى القريب.

«حزب الله» يرفض اتفاق الإطار

وأكد الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، رفض الحزب لاتفاق الإطار مع إسرائيل، داعياً إلى إسقاطه، ووصفه بأنه «غير شرعي ومذل»، مشدداً على تمسك الحزب بموقفه الرافض للترتيبات المطروحة بشأن الجنوب.

وقال قاسم إن لبنان يدفع «ثمناً باهظاً» في المفاوضات لإرضاء الولايات المتحدة، متهماً واشنطن بالتواطؤ مع إسرائيل، ومعتبراً أن المفاوضات التي تجريها السلطة اللبنانية لم تؤدِ إلى وقف الحرب، وإنما منحتها شرعية، على حد تعبيره.

كما رفض قاسم ما يُطرح بشأن إقامة مناطق تجريبية في الجنوب وما يترتب عليها، معتبراً أن ما يشهده الجنوب يمثل عدواناً إسرائيلياً، ومشيراً إلى أن وتيرة العمليات تراجعت، وفق روايته، نتيجة الدعم الإيراني ومذكرة التفاهم.

وفي الوقت نفسه، شدد قاسم على أن الحزب لا يريد الحرب، مستشهداً بموافقته على اتفاق 27 نوفمبر 2024 والتزامه به، وقال إن إسرائيل لا تجرؤ على رسم حدود تتجاوز الأراضي التي احتلتها، كما لا تستطيع إقامة مستوطنة في جنوب لبنان بسبب وجود المقاومة، بحسب تعبيره.

تصعيد إسرائيلي متواصل في الجنوب

ميدانياً، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في مناطق عدة من جنوب لبنان، وسط غارات جوية وعمليات تفجير وإحراق لمنازل، في مؤشر على استمرار التوتر رغم المساعي السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد.

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن مسيرة إسرائيلية شنت غارة للمرة الثانية على بلدة النبطية الفوقا، فيما أقدم الجيش الإسرائيلي على إحراق منازل في بلدة بيت ياحون.

كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين عند أطراف بلدة عيتا الجبل، وسط أجواء من التوتر التي تشهدها المنطقة الحدودية.

وفي السياق نفسه، شن الطيران الإسرائيلي غارة على منطقة دوحة كفررمان، ما أسفر، وفق المعلومات المتاحة، عن إصابة، بينما باشرت الجهات المعنية متابعة الأضرار والخسائر الناجمة عن الهجوم.

وبالتوازي مع التصعيد الميداني، نقلت صحيفة «معاريف» عن مصادر إسرائيلية أن تل أبيب لا تعتزم الانسحاب من المنطقة المحيطة بتلال علي الطاهر في جنوب لبنان.

وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتعامل بحذر مع الملف اللبناني خشية إثارة غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما لم تتمكن الاتصالات التي جرت خلال الفترة الماضية من تحقيق اختراق جدي يمكن البناء عليه، في ظل استمرار الخلاف بشأن الملفات الأمنية والعسكرية.

مجلس الأمن يبحث مستقبل «اليونيفيل»

وعلى المسار الدولي، بحث مجلس الأمن، خلال جلسة مغلقة عقدت الجمعة بدعوة من فرنسا، التطورات في جنوب لبنان ومستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل»، في ظل اقتراب انتهاء ولايتها المقررة في ديسمبر المقبل.

ورفض المجتمعون، وفق المعطيات المتاحة، محاولات إسرائيلية لتقويض القرار 1701، باعتباره الإطار المرجعي للعلاقة بين لبنان وإسرائيل، كما ناقشوا التقرير الذي قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى المجلس في يونيو الماضي بشأن مستقبل المهمة الأممية.

وفي المقابل، لم يحظ طلب لبنان بتمديد مهمة «اليونيفيل» بالإجماع داخل مجلس الأمن، رغم تأييد عدد من الدول الأعضاء له، وفق ما نقلته وكالة «أسوشيتد برس».

وكان مجلس الأمن قد أقر العام الماضي القرار 2790، الذي ينص على انتهاء ولاية «اليونيفيل» في ديسمبر المقبل، إلى جانب طلب إعداد تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة يتضمن بدائل عن القوة الحالية، بما يسمح بمواصلة العمل على تنفيذ بنود القرار 1701.

3 سيناريوهات لمهمة دولية جديدة

وتناول النقاش داخل مجلس الأمن ثلاثة خيارات سبق أن طرحها جوتيريش لمواصلة الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل».

ويتمثل الخيار الأول في إنشاء بعثة أممية مصغرة تضم مراقبين عسكريين غير مسلحين لمراقبة الوضع ورفع التقارير، مع وجود قوة مسلحة لحماية أفراد البعثة. ويشمل هذا السيناريو نحو 350 مراقباً عسكرياً، إلى جانب أربع كتائب مشاة، قوام كل منها 750 جندياً، وقوة احتياطية تضم نحو 700 جندي.

أما الخيار الثاني، فيتضمن وجود 285 مراقباً عسكرياً غير مسلح، تدعمهم قوة مسلحة لحماية البعثة، تضم كتيبتي مشاة، قوام كل منهما 750 جندياً، إضافة إلى قوة احتياطية يبلغ قوامها 450 جندياً.

بينما يقوم الخيار الثالث على بعثة تضم 215 مراقباً عسكرياً غير مسلح، إلى جانب كتيبتي مشاة خفيفة، قوام كل منهما 450 جندياً، وقوة رد فعل سريع تضم 350 جندياً مسلحاً لتوفير الحماية والدعم.

وبحسب الطروحات المتداولة، تبدو الحكومة اللبنانية أكثر ميلاً إلى الخيار الأول، باعتباره الأقرب إلى ضمان استمرار الوجود الدولي في الجنوب مع الحفاظ على دور أممي في المراقبة والإبلاغ.

خلاف حول شكل الوجود الدولي

ولا يقتصر الخلاف داخل مجلس الأمن على مسألة تمديد «اليونيفيل»، بل يمتد إلى طبيعة القوة التي يمكن أن تحل محلها، وحدود صلاحياتها ومهماتها في المرحلة المقبلة.

فبينما تدفع بعض الدول الأعضاء باتجاه الحفاظ على وجود دولي قادر على ملء أي فراغ أمني في الجنوب، تتبنى واشنطن موقفاً أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية التي ترى أن استمرار «اليونيفيل» لم يمنع تعزيز قدرات «حزب الله»، وأن الآلية الثلاثية بين لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة يمكن أن تكون بديلاً أكثر ملاءمة، خصوصاً مع بدء المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب.

وفي ظل هذا الانقسام الدولي، يبدو مستقبل الوجود الأممي في جنوب لبنان مرتبطاً بتطورات المسار السياسي والأمني في المنطقة، خصوصاً قدرة الدولة اللبنانية على فرض ترتيباتها على الأرض، وموقف «حزب الله» من التفاهمات المطروحة، فضلاً عن مدى استعداد إسرائيل للالتزام بالقرار 1701 والانسحاب من المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها.

وبينما تستمر الغارات والعمليات العسكرية في الجنوب، تبدو التسوية السياسية بعيدة المنال في الوقت الراهن، مع تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد شكل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، ومستقبل الدور الدولي على الحدود.

تصعيد إسرائيلي جديد في جنوب لبنان.. كفررمان والنبطية تحت القص...

قطر تؤكد دعمها للجهود الدبلوماسية لضمان حرية الملاحة وخفض الت...