فجر يوم الأربعاء، كان أتوبيس تابع لإحدى شركات النقل السياحي في طريقه من القاهرة إلى ميناء نويبع البحري، محمّلاً بركاب مصريين وأردنيين يستعدون لعبور الحدود نحو الأردن. وقبل الوصول إلى منطقة الصعدة على طريق دهب - نويبع، انفجر أحد إطارات الأتوبيس فجأة، فقد السائق السيطرة على المقود، وانقلبت المركبة على الطريق. خلّف الحادث أكثر من عشرين قتيلاً وعشرات المصابين، ودفعت الحكومة بعشرات سيارات الإسعاف وثلاجات حفظ الجثامين إلى موقع الحادث، فيما رفعت المستشفيات المحيطة درجة استعدادها لاستقبال المصابين.

المشهد بتفاصيله - إعلان رسمي، تعازٍ، رفع درجة الاستعداد، تحريات أولية تُرجّح "عطلاً فنياً" - ليس جديداً على المصريين. فكل بضعة أسابيع تقريباً، يتكرر السيناريو ذاته على طريق مختلف، بحافلة أو سيارة نقل مختلفة، وبضحايا جدد يُضافون إلى قائمة لا تكفّ عن الطول. فلماذا تبقى الطرق المصرية، رغم كل الحملات والتصريحات، واحدة من أكثر الطرق فتكاً في المنطقة؟

أرقام لا تكذب: المنحنى يتجه للأعلى وليس للأسفل

الأرقام الرسمية لا تترك مجالاً كبيراً للتفاؤل. فبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2025 تكشف أن عدد المصابين في حوادث الطرق بلغ نحو 84.5 ألف مصاب، مقارنة بأكثر من 76 ألفاً في العام الذي سبقه، بزيادة تتجاوز 10%. أما عدد المتوفين فقد قفز إلى قرابة 5.8 آلاف حالة وفاة خلال العام نفسه، مقابل نحو 5.2 آلاف في العام السابق عليه، أي بارتفاع يقترب من 11%.

اللافت أن الأزمة ليست موزّعة بالتساوي؛ فمحافظة القاهرة، رغم كثافتها المرورية العالية وشبكة طرقها الحديثة نسبياً، تصدّرت قائمة المحافظات من حيث عدد الوفيات، بينما تركّزت أعلى معدلات الإصابات في محافظات الدلتا الزراعية ذات الطرق الفرعية الضيقة. كما تُظهر البيانات أن الأطفال دون الخامسة عشرة يمثلون الفئة العمرية الأكثر عرضة للوفاة في هذه الحوادث، وأن الركاب - لا السائقين - هم الفئة الأكبر بين المصابين، ما يعني أن أعداداً كبيرة من الضحايا لا علاقة لها بقرار القيادة نفسه، بل تدفع ثمن أخطاء لا يد لها فيها.

الإطار المنفجر.. عرَض لمرض أعمق

في حادث جنوب سيناء، رجّحت التحريات الأولية أن انفجار إطار الأتوبيس أثناء سيره هو السبب المباشر في فقدان السيطرة. لكن انفجار الإطارات نادراً ما يكون حدثاً عشوائياً بحتاً؛ فالخبراء المعنيون بسلامة المركبات يربطونه عادة بعوامل متكررة: ضغط هواء غير مناسب، وأحمال زائدة عن الحد المسموح، وقطع مسافات طويلة دون توقف كافٍ للراحة، فضلاً عن استخدام إطارات غير مطابقة لنوع الرحلة أو عمرها الافتراضي. وهي جميعها عوامل مرتبطة بمنظومة الفحص الدوري والترخيص للمركبات، لا بلحظة الحادث ذاتها.

فحين تتكرر حوادث انفجار الإطارات وانفلات المقصورات وتعطل الفرامل في منتصف الطريق، يصبح السؤال أقل تعلقاً بلحظة الحادث، وأكثر إلحاحاً حول جدية آليات الفحص الفني للمركبات قبل تصريح تسييرها على الطرق، خصوصاً في خطوط النقل الطويلة العابرة للمحافظات التي تُستخدم فيها حافلات قد تعمل لساعات متواصلة.

هيئات متعددة.. ومسؤولية مشتتة

من أبرز ما تشير إليه الدراسات المتخصصة في السلامة المرورية أن إدارة شبكة الطرق في مصر موزّعة بين أكثر من جهة: الهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري التابعة لوزارة النقل، وهي المسؤولة عن نحو نصف إجمالي شبكة الطرق، إلى جانب أجهزة التعمير والمجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان، ووزارة التنمية المحلية والمحافظات فيما يخص الطرق الداخلية والفرعية. هذا التوزّع، وإن بدا إدارياً منطقياً على الورق، يفتح الباب أمام تداخل الاختصاصات وتراخي المتابعة، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن صيانة نقطة بعينها من الطريق أو تتبّع سبب تجاهل بلاغ عن خلل في مسار معين قبل وقوع الحادث.

يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة الفعلية على السلوك المروري؛ فالاعتماد الأكبر ما زال على الرادارات الثابتة التي يحفظ السائقون مواقعها وينبّه بعضهم بعضاً عند الاقتراب منها، بما يفرغ أداة الردع من مفعولها الفعلي بمجرد تجاوز تلك النقاط.

سباق مع الزمن بعد وقوع الكارثة لا قبلها

يلاحظ متابعو ملف السلامة المرورية أن الاستجابة الحكومية، مهما بلغت سرعتها وكفاءتها، تبقى استجابة "ما بعد الحادث": تفعيل غرف عمليات، دفع بسيارات إسعاف، رفع درجة استعداد المستشفيات، تجهيز ثلاجات لحفظ الجثامين. وهي إجراءات ضرورية بلا شك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح، لكنها تظل تعمل في المرحلة الأخيرة من سلسلة طويلة كان يمكن التدخل في أي حلقة سابقة منها لمنع وقوع الكارثة أصلاً.

فبين إعلان "رفع درجة الاستعداد" في كل مرة، وبين تصريحات متكررة عن "استراتيجيات وطنية" لخفض الحوادث، تستمر المنحنيات الإحصائية في الارتفاع سنة بعد أخرى، ويبقى السؤال الذي يطرحه كل حادث جديد دون إجابة حاسمة: هل تنتظر منظومة الطرق في مصر إصلاحاً بنيوياً حقيقياً، أم أن الأرقام مرشحة للتضخم في النشرة السنوية القادمة، بينما تتكرر مشاهد التعازي ذاتها على طريق آخر، وبأسماء ضحايا مختلفة؟