تواجه إيران ضغوطًا متصاعدة على المستويين العسكري والاقتصادي، في ظل عودة الضربات المتبادلة مع الولايات المتحدة بعد فترة من الهدوء النسبي، بالتزامن مع تشديد العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية ومحاولات واشنطن الحد من قدرة طهران على الالتفاف عليها.

وبعد نحو ستة أشهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تبدو المواجهة في حالة جمود عسكري وسياسي، بعدما انهار اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار أُبرم في يونيو الماضي، دون إحراز تقدم يُذكر في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.

قاليباف: قواعد اللعبة تغيرت

وعقب تجدد الضربات، وجه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف تحذيرًا مباشرًا إلى الولايات المتحدة، مؤكدًا أن أي هجوم جديد على إيران سيقابل برد أكثر سرعة وشدة.

وقال قاليباف، في خطاب نشره عبر قناته على تطبيق «تلجرام» اليوم الأحد، إن الولايات المتحدة يجب أن تدرك «قبل فوات الأوان» أن قواعد اللعبة في الحرب على إيران تغيرت.

وأضاف أن أي اعتداء على المصالح الإيرانية أو أمن البلاد سيقابل من الآن فصاعدًا «برد أسرع وأشد وأكثر إيلامًا».

ويأتي التصعيد في أعقاب إعلان القيادة المركزية الأمريكية، أمس السبت، استهداف ثلاث ناقلات إيرانية، بعد أن قالت واشنطن إن الحرس الثوري الإيراني أطلق صواريخ باليستية باتجاه سفينتين تابعتين للبحرية الأمريكية.

وقال الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إن واشنطن ستفرض «تكلفة اقتصادية أكبر بكثير» على إيران، مشيرًا إلى أن الضربة الأمريكية استهدفت ثلاث سفن ردًا على استهداف سفينتين أمريكيتين.

في المقابل، هدد الحرس الثوري الإيراني بتكثيف هجماته على السفن العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما أعلن لاحقًا استهداف ثلاث ناقلات، إلى جانب ثلاث سفن أخرى مرتبطة بالولايات المتحدة في مناطق مختلفة.

مضيق هرمز في قلب المواجهة

ولا تقتصر المواجهة بين طهران وواشنطن على الضربات العسكرية، إذ يظل مضيق هرمز أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية، في ظل أهمية الممر المائي بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية.

وأظهرت إيران خلال الأشهر الماضية قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية في دول المنطقة، فضلًا عن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق، الذي كان يمر من خلاله نحو خمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب.

وأصدرت البحرية التابعة للحرس الثوري بيانًا حذرت فيه السفن من أي تحرك وصفته بالمشبوه أو محاولة العبور عبر ممرات مائية غير مصرح بها، مؤكدة أن المخالفين قد يصبحون أهدافًا.

وأفادت وكالة «تسنيم» بأن أربعة صواريخ أمريكية أصابت ناقلة نفط في منطقة مرسى خرج، دون تسجيل إصابات، مشيرة إلى إجلاء طاقم الناقلة.

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنه لم تقع إصابات بين أفراد القوات الأمريكية.

كما ذكرت «تسنيم» أن الحرس الثوري أسقط منطاد استطلاع أمريكيًا فوق مدينة أربيل شمالي العراق، معتبرة ذلك جزءًا من تحرك أوسع يستهدف أنظمة المراقبة الجوية والإنذار المبكر الأمريكية في المنطقة.

العقوبات تضغط على الاقتصاد الإيراني

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تواجه الحكومة الإيرانية تحديات اقتصادية متزايدة نتيجة العقوبات الأمريكية والحصار المفروض على صادراتها النفطية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر إيرانية كبيرة أن الحملة الأمريكية الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني من خلال تشديد القيود على صادرات النفط ومنع محاولات الالتفاف على العقوبات أصبحت أكثر صعوبة على طهران في تحمل تداعياتها.

وأشار قاليباف إلى أن المواجهة الاقتصادية باتت تمثل جبهة رئيسية إلى جانب الجبهة العسكرية، داعيًا الحكومة إلى التعامل بصورة أسرع مع الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وتواجه إيران، بحسب تصريحات المسؤولين، مجموعة من التحديات، من بينها التقلبات الحادة في سعر العملة، وارتفاع التضخم والبطالة، فضلًا عن صعوبات إدارة الأسواق.

وقال قاليباف إن الإيرانيين قادرون على تحمل الصعوبات، لكنهم لا يستطيعون تحمل سوء الإدارة أو التقاعس، مطالبًا الحكومة بالتحرك سريعًا لمعالجة الأوضاع الاقتصادية.

وفي السياق ذاته، قال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية، إن بلاده تعتزم مواجهة الضغوط الاقتصادية الأمريكية من خلال تنفيذ إصلاحات داخلية، رافضًا فكرة أن العقوبات يمكن أن تدفع إيران إلى تغيير نهجها السياسي.

وأضاف أن مسؤولية إصلاح الاقتصاد الإيراني تقع على عاتق الحكومة والشعب، وليس على وزارة الخزانة الأمريكية.

كما نقلت وكالة «تسنيم» عن نائب وزير الاقتصاد مرتضى زمانيان أن «مقر الحرب الاقتصادية» التابع للوزارة يضاعف جهوده لمعالجة المشكلات الناجمة عن الحرب.

جزيرة خرج.. شريان النفط الإيراني تحت النار

وتأتي الضغوط الاقتصادية في وقت تواجه فيه البنية النفطية الإيرانية تحديات عسكرية متزايدة، خاصة في جزيرة خرج، التي تعد مركز التصدير النفطي الرئيسي في البلاد.

وتحتل إيران المرتبة الثالثة بين أكبر منتجي النفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، وكانت تصدر نحو 90% من نفطها الخام عبر جزيرة خرج قبل اندلاع الحرب.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي اليوم الأحد، إن الجزيرة تعرضت للقصف نحو 550 مرة خلال الأشهر القليلة الماضية، مؤكدًا أن العمليات لم تتوقف رغم تلك الهجمات.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد نشر في 31 أغسطس منشورًا مقتضبًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أرفقه بمقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يظهر جزيرة خرج وهي تتعرض للتدمير، متوعدًا طهران بتصعيد أكبر.

وردت السلطات الإيرانية آنذاك بالتحذير من أن استهداف الجزيرة سيقابل برد حازم.

وفي ظل القيود الإيرانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، تواجه إدارة ترامب معضلة إضافية تتمثل في احتمال انعكاس أي تصعيد على أسعار النفط والوقود عالميًا، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر.

مواجهة مفتوحة بلا أفق سياسي واضح

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تجمع بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي ومحاولات كل طرف استخدام أوراقه الاستراتيجية لإجبار الآخر على التراجع.

وبينما تتمسك طهران بخيار الرد العسكري ورفض الرضوخ للعقوبات، تسعى واشنطن إلى زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وتقليص مصادر تمويله، في وقت باتت فيه حركة الملاحة وإمدادات الطاقة جزءًا أساسيًا من المواجهة.

ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار السابق وعدم تحقيق اختراق دبلوماسي حتى الآن، تظل احتمالات تجدد التصعيد قائمة، خصوصًا مع استمرار التهديدات المتبادلة واستهداف السفن والمنشآت المرتبطة بالطرفين.

وفي ظل هذا المشهد، تواجه إيران تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على قدرتها على الردع العسكري، وفي الوقت نفسه احتواء الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي بدأت تفرض أعباء أكبر على الحكومة والمواطنين.

اقتحامات إسرائيلية واعتداءات للمستوطنين تستهدف الفلسطينيين في...

الأردن وهولندا تبحثان تعزيز التعاون الثنائي وجهود إنهاء التصع...