الذكاء الاصطناعي أصبح طرفًا فعليًا في العلاقات الأسرية.. وحماية الأسرة رقميًا مسؤولية مشتركة

 

صرحت الدكتورة غادة عامر، خبيرة الذكاء الاصطناعي، بمناسبة مشاركتها في ورشة «المؤشرات الإفتائية للتحديات الأسرية.. نحو معالجة إفتائية لتعزيز التماسك الأسري»، التي عقدها المؤشر العالمي للفتوى بالتعاون مع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، على هامش فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، بأن العالم يعيش لحظة فارقة في تاريخ العلاقة بين التكنولوجيا والأسرة، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة هامشية في الحياة اليومية، وإنما أصبح طرفًا فعليًا يتدخل في تفاصيل العلاقات الإنسانية، بدءًا من العلاقة الزوجية، مرورًا بتربية الأبناء، ووصولًا إلى إدارة الموارد المالية للأسرة.

ظهور ظواهر مقلقة من بينها انتشار تطبيقات «الرفقاء الاصطناعيين» العاطفيين

وأوضحت "عامر"، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"،أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور ظواهر مقلقة، من بينها انتشار تطبيقات «الرفقاء الاصطناعيين» العاطفيين، والتي تجاوزت تنزيلاتها 200 مليون تنزيل عالميًا، مشيرة إلى أن الأمر لم يعد مقتصرًا على الاستخدام التكنولوجي، وإنما تطور لدى غالبية المستخدمين إلى ارتباط عاطفي حقيقي، وهو ما بدأ، بحسب ما تم رصده، يترجم إلى حالات طلاق موثقة في عدد من دول العالم، اعتبر فيها القضاء هذه العلاقة نوعًا من «الخيانة الوقمية».

وأضافت "عامر"، أن خطورة التكنولوجيا على الأسرة لا تتوقف عند العلاقات العاطفية، إذ تفرز تطبيقات التمويل الرقمي وخدمات «الدفع الآجل» نمطًا جديدًا من الديون الصامتة، التي يمكن أن تنشأ وتتراكم دون علم الطرف الآخر في العلاقة الزوجية، فضلًا عن إدمان الألعاب الإلكترونية ومراهناتها، والتي باتت تستنزف مدخرات أسر بأكملها خلال فترات زمنية قصيرة، وفق ما وثقته دراسات وتقارير محلية ودولية حديثة.

التحديات الأسرية المرتبطة بالتكنولوجيا

وأكدت خبيرة الذكاء الاصطناعي، أن هذه الظواهر مجتمعة لم تعد مجرد قضايا فردية أو حالات معزولة، وإنما أصبحت تمثل نمطًا جديدًا من التحديات الأسرية المرتبطة بالتكنولوجيا، الأمر الذي يستوجب، من وجهة نظرها، استجابة مؤسسية سريعة ومتجددة تواكب هذا التطور المتسارع.

وفي المقابل، أشادت الدكتورة غادة عامر بدور مؤسسات الإفتاء، وفي مقدمتها دار الإفتاء المصرية، في التعامل مع هذا التحول، موضحة أن المؤسسات الإفتائية لم تقف موقف المتفرج، وإنما بادرت بخطوات نوعية، من بينها إصدار فتاوى متخصصة لضبط استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الاستفتاء، إلى جانب تطوير «نموذج الفتوى الذكي» الذي يوظف الذكاء الاصطناعي في تسريع وتنظيم العمل الإفتائي، مع الحفاظ الكامل على دور أمناء الفتوى باعتبارهم الحكم البشري النهائي الذي لا غنى عنه.

التطور التكنولوجي ينبغي أن يظل وسيلة لدعم الإنسان وليس لاستبدال دوره أو إلغاء مسؤوليته

وقالت "عامر"، إن هذا النموذج يتوافق مع رؤيتها المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي تقوم على أن تكون «التقنية في خدمة الإنسان، لا بديلًا عن حكمته وتقديره وضميره»، مؤكدة أن التطور التكنولوجي ينبغي أن يظل وسيلة لدعم الإنسان وليس لاستبدال دوره أو إلغاء مسؤوليته.

وأشارت "عامر"، إلى أنها أكدت خلال مداخلتها أمام الورشة ضرورة أن تتجه دور ومؤسسات الإفتاء في العالم إلى بناء منظومة رصد رقمي دائم للتحديات الأسرية المرتبطة بالتقنية، إلى جانب توحيد معايير تصنيف هذه الاستفتاءات بما يسمح بمقارنتها دوليًا ضمن أطر مثل المؤشر العالمي للفتوى.

أهمية تعزيز الشراكة مع الجهات الرقابية على شركات التقنية الكبرى

كما شددت "عامر"، على أهمية تعزيز الشراكة مع الجهات الرقابية على شركات التقنية الكبرى، بهدف إدراج تنبيهات توعوية ووقائية عند استخدام التطبيقات التي قد تمثل مخاطر مرتفعة على الأسرة، فضلًا عن ضرورة دمج التربية الرقمية ضمن برامج التوعية الأسرية الوقائية التي تقدمها المؤسسات الدينية والتعليمية على حد سواء.

وتقدمت الدكتورة غادة عامر بخالص الشكر والتقدير إلى دار الإفتاء المصرية والمؤشر العالمي للفتوى، مخصّة بالذكر الدكتور طارق أبو هشيمة، مدير المؤشر ومقرر الورشة، والدكتورة هالة رمضان، رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، مشيدة بالمبادرة التي تجمع بين الأصالة الشرعية والانفتاح العلمي الرصين على معطيات العصر الرقمي.

حماية الأسرة في زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد مسؤولية جهة واحدة

واختتمت الدكتورة غادة عامر خبيرة الذكاء الاصطناعي تصريحها، بالتأكيد على أن حماية الأسرة في زمن الذكاء الاصطناعي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما تتطلب تكاملًا حقيقيًا بين المؤسسات الدينية والبحثية والتقنية والتشريعية، معربة عن تطلعها إلى استمرار هذا التعاون من أجل صياغة رؤية عربية وإسلامية متكاملة لمواجهة تحديات العصر الرقمي على الأسرة، بما يحافظ على تماسكها واستقرارها في ظل هذا التحول العالمي غير المسبوق.