منذ إطلاق المبادرة الرئاسية لزراعة «100 مليون شجرة» في نوفمبر 2022، تتوالى البيانات الحكومية التي تعلن أعداد الأشجار التي جرى توريدها وزراعتها ضمن مراحل المبادرة، لكن مع تصاعد الجدل حول إزالة الأشجار المعمرة في عدد من المناطق، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كم شجرة أزيلت خلال الفترة نفسها؟
الإجابة عن هذا السؤال تبدو أكثر صعوبة، إذ لا يظهر حتى الآن في البيانات الحكومية المنشورة رقم قومي موحد يوضح إجمالي الأشجار التي تمت إزالتها منذ إطلاق المبادرة، في الوقت الذي تتوافر فيه أرقام معلنة عن الأشجار التي تمت زراعتها، كان آخرها نحو 12.8 مليون شجرة حتى العام المالي 2025/2026 وفق بيانات وزارة التنمية المحلية والبيئة.
وهنا تتحول القضية من مجرد مقارنة بين عدد الأشجار المزروعة والمزالة إلى سؤال أوسع عن كيفية قياس نجاح المبادرة: هل يتم احتساب عدد الأشجار التي تمت زراعتها فقط، أم توجد أيضًا آلية مركزية لحصر الأشجار التي فقدتها المدن والمحافظات خلال الفترة نفسها؟
100 مليون شجرة.. مبادرة تمتد 7 سنوات
أطلقت مصر مبادرة «100 مليون شجرة» في نوفمبر 2022 بالتزامن مع استضافة مصر مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP27»، وتستهدف المبادرة زراعة 100 مليون شجرة على مدار سبع سنوات، من العام المالي 2022/2023 وحتى 2028/2029.
وتستهدف المبادرة تنفيذ أعمال التشجير في نحو 9900 موقع بمختلف المحافظات، على مساحة تصل إلى نحو 6600 فدان، مع تخصيص هذه المواقع لإقامة غابات شجرية وحدائق عامة، والاستفادة من مياه الصرف المعالجة في أعمال الري.
ووفق البيانات الحكومية، تستهدف المبادرة زيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، وتحسين جودة الهواء، والحد من آثار التغيرات المناخية، إلى جانب خفض الانبعاثات وتحسين الصحة العامة وجودة الحياة.
وكان مجلس الوزراء قد أعلن عند إطلاق المبادرة تخصيص 3 مليارات جنيه لتنفيذها على مدار السنوات السبع.
كم شجرة زُرعت حتى الآن؟
بحسب أحدث البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات، بلغ إجمالي ما تمت زراعته في إطار المبادرة منذ 2022/2023 وحتى العام المالي 2025/2026 نحو 12.8 مليون شجرة على مستوى الجمهورية، وفق تصريحات مساعد وزير التنمية المحلية في فبراير 2026.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الزراعة في سبتمبر 2026 أن إجمالي ما تم غرسه ضمن مساهمة الوزارة وحدها خلال المراحل الأربع الأولى بلغ نحو 8.57 مليون شجرة، مع الاستعداد لبدء المرحلة الخامسة وتوزيع الشتلات على المحافظات.
وهنا يجب التفريق بين الرقمين؛ فـ8.57 مليون شجرة هو رقم خاص بمساهمة وزارة الزراعة، بينما الـ12.8 مليون شجرة هو الرقم الإجمالي الذي أعلنته وزارة التنمية المحلية عن المبادرة ككل حتى 2025/2026. وبالتالي، لا يمثل الرقمان تناقضًا حسابيًا، وإنما يعكسان نطاقين مختلفين من البيانات.
أين رقم الأشجار التي أزيلت؟
في الوقت الذي توجد فيه أرقام منشورة عن الأشجار التي تمت زراعتها، لا تظهر في البيانات الحكومية المنشورة حتى الآن حصيلة مماثلة توضح إجمالي عدد الأشجار التي أزيلت منذ إطلاق المبادرة، ولا إجمالي المساحات الخضراء التي فُقدت خلال الفترة نفسها.
وهذه الفجوة تكتسب أهمية أكبر مع تكرار وقائع إزالة الأشجار خلال أعمال تطوير الطرق والمحاور والمشروعات العمرانية.
وفي 31 أغسطس 2026، وجهت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، بحصر الأشجار التي تم قطعها ضمن أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، والوقوف على أسباب اللجوء إلى الإزالة بدلًا من النقل، مع التأكيد على تعويض الأشجار التي تمت إزالتها بأعداد مضاعفة واختيار أنواع مناسبة لطبيعة المكان.
واللافت هنا أن عملية الحصر جاءت بعد واقعة الإزالة، وهو ما يفتح سؤالًا حول ما إذا كانت هناك قاعدة بيانات استباقية ومحدثة للأشجار المعمرة في مواقع المشروعات قبل بدء التنفيذ، وما إذا كان تقييم البدائل يتم قبل اتخاذ قرار القطع.
شارع جامعة الدول يعيد فتح ملف الأشجار المعمرة
أعادت أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية في المهندسين وميدان مصطفى محمود قضية الأشجار إلى الواجهة، بعدما أثارت إزالة أشجار معمرة جدلًا واسعًا بين المواطنين والمهتمين بالبيئة.
وتزامن ذلك مع تحرك حكومي لمراجعة أسباب إزالة الأشجار بدلًا من نقلها، إلى جانب تأكيد وزارة التنمية المحلية والبيئة على عدم التهاون مع قطع الأشجار أو التقليم الجائر، ومراعاة الأبعاد البيئية خلال أعمال التطوير.
ولا تتوقف القضية عند شارع جامعة الدول العربية، إذ شهدت الفترة الأخيرة تحركات برلمانية تتناول وقائع إزالة الأشجار والمساحات الخضراء في مناطق أخرى.
البرلمان يسأل: هل توجد قاعدة بيانات للأشجار المزالة؟
وتقدم النائب محمد عبد الحفيظ، عضو لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، بسؤال برلماني إلى الحكومة بشأن استمرار قطع الأشجار وتراجع المساحات الخضراء، متسائلًا عن أسباب إزالة الأشجار في مدينة العبور، ومدى إعداد دراسات للأثر البيئي قبل أعمال القطع والتطوير في العبور وشارع جامعة الدول العربية والميريلاند.
وطالب السؤال كذلك بتوضيح الضوابط والتراخيص اللازمة قبل إصدار قرارات قطع الأشجار المعمرة، وأسباب عدم تعديل تصميمات الطرق والمحاور للتكيف مع وجود الأشجار، إلى جانب التساؤل عن إمكانية استخدام تقنيات نقل الأشجار بدلًا من قطعها.
والأهم في سياق مبادرة «100 مليون شجرة» أن السؤال البرلماني طرح بشكل مباشر: هل توجد قاعدة بيانات دقيقة توضح حصر الأشجار التي تمت إزالتها والمساحات الخضراء التي فُقدت خلال السنوات الخمس الأخيرة؟
وهنا تظهر جوهر المشكلة: الدولة تعرف إلى حد كبير كم شجرة زرعت ضمن المبادرة، لكن الصورة تصبح أقل وضوحًا عندما يتعلق الأمر بما فقدته المدن والمحافظات من أشجار ومساحات خضراء خلال الفترة نفسها.
المبادرة لا تقيس النجاح بعدد الشتلات فقط
قياس نجاح مبادرة بهذا الحجم لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الشتلات التي تم توزيعها أو غرسها، وإنما يحتاج إلى النظر أيضًا إلى نسبة بقاء الأشجار، ومستوى صيانتها، والمساحات الخضراء التي أضيفت بالفعل، والأشجار القائمة التي تم الحفاظ عليها.
فالشجرة المعمرة لا يمكن تعويض قيمتها البيئية بالكامل بمجرد زراعة شتلة صغيرة مكانها، حتى لو كان عدد الشتلات الجديدة أكبر؛ لأن الشجرة القديمة تمتلك كتلة خضراء وظلًا وقدرة على امتصاص الملوثات وخفض الحرارة تراكمت على مدار سنوات طويلة.
ولهذا فإن المؤشر الأكثر دقة على المدى الطويل قد يكون صافي التغير في الغطاء الشجري، وليس إجمالي عدد الأشجار المزروعة فقط.
مشروع «تخضير القاهرة».. هل يتغير مسار التعامل مع الأشجار؟
وفي تطور حديث، وجه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في 7 سبتمبر 2026 بالبدء في تنفيذ مشروع «تخضير القاهرة»، بما يشمل تشجير الطريق الدائري وعدد من المحاور والطرق الرئيسية، وذلك تنفيذًا لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء.
ويعني هذا التوجه أن ملف التشجير لم يعد مرتبطًا فقط بالمبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة»، وإنما أصبح جزءًا من تصور أوسع لتطوير البيئة الحضرية داخل القاهرة.
لكن في المقابل، يظل السؤال قائمًا حول كيفية تحقيق التوازن بين مشروعات الطرق والمحاور من ناحية، والحفاظ على الأشجار والمساحات الخضراء من ناحية أخرى، خصوصًا أن الحكومة نفسها بدأت تطلب حصر الأشجار التي أزيلت ومراجعة أسباب إزالتها بدلًا من نقلها.
السؤال الأصعب: كم شجرة كسبتها مصر وكم خسرت؟
المشكلة إذن ليست في وجود رقم معلن عن الأشجار التي تمت زراعتها؛ فهذا الرقم موجود، وآخر حصيلة معلنة للمبادرة ككل تبلغ نحو 12.8 مليون شجرة حتى 2025/2026.
لكن الرقم المقابل، وهو عدد الأشجار التي تمت إزالتها خلال الفترة نفسها، لا يزال غير متاح في صورة حصيلة وطنية موحدة منشورة.
وهذا لا يعني تلقائيًا أن عدد الأشجار المزالة يساوي عدد الأشجار المزروعة أو أنه يفوقه، وإنما يعني أن المقارنة نفسها لا يمكن حسمها من البيانات العامة المتاحة حاليًا.
ومن هنا يصبح السؤال الصحفي الأكثر دقة أمام الحكومة: هل تمتلك الدولة بالفعل قاعدة بيانات مركزية لحركة الغطاء الشجري في مصر، تتضمن ما تم زرعه وما تم قطعه وما تم نقله وما نجا من الأشجار المزروعة؟ وإذا كانت هذه البيانات موجودة، فلماذا لا تُعلن بصورة دورية حتى يستطيع المواطن والبرلمان تقييم صافي الزيادة في المساحات الخضراء؟
من «عدد الأشجار» إلى «صافي الغطاء الأخضر»
تكشف أزمة الأشجار الأخيرة أن نجاح المبادرة الرئاسية لا يمكن قياسه فقط بعدد الشتلات التي تدخل الأرض، وإنما بقدرة الدولة على خلق زيادة حقيقية ومستدامة في الغطاء الأخضر. فزراعة 100 مليون شجرة هدف ضخم، لكن الحفاظ على الأشجار الموجودة أصلًا جزء أساسي من تحقيق هذا الهدف، خصوصًا عندما تكون بعض الأشجار المعمرة قد احتاجت لعقود حتى تصل إلى حجمها الحالي.
وبالتالي، فإن المؤشر الذي يستحق المتابعة خلال السنوات المقبلة ليس فقط: «كم شجرة زرعنا؟»، وإنما أيضًا: «كم شجرة حافظنا عليها؟ وكم شجرة أزلناها؟ وكم شجرة من المزروع بقيت على قيد الحياة؟ وكم زادت المساحات الخضراء فعليًا؟». هذه هي الأرقام التي يمكن أن تحول المبادرة من حملة تشجير إلى سياسة بيئية قابلة للقياس والمحاسبة.
