هناك من يهاجم أداء الاقتصاد المصري في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي وكأن مصر التي تسلمها في 2014 كانت دولة مستقرة تملك كل مقومات الانطلاق ثم قررت فجأة أن تدخل في الأزمات وهنا يجب أن نتوقف قليلا لأن السياسة قد تحتمل الاختلاف في التقدير لكن الأرقام لا تجامل أحدا
في مارس 2014 كان الدين الخارجي يدور حول 45.3 مليار دولار بينما كان احتياطي النقد الأجنبي في مايو من العام نفسه في حدود 17 مليار دولار فقط وفق بيانات البنك المركزي المصري آنذاك وهذه ليست مجرد أرقام افتتاحية في جدول وإنما صورة لدولة خرجت لتوها من ثلاث سنوات من الاضطراب السياسي والاقتصادي اقتصادها يعاني اختلالات عميقة وقطاع الطاقة يواجه أزمات متكررة وبنيتها الأساسية تحتاج إلى إعادة بناء وملفها الأمني لا ينفصل عن إقليم كان يشتعل من كل الاتجاهات
ولذلك فإن تقييم السنوات التالية لا ينبغي أن يبدأ من سؤال كم أنفقت الدولة بل من سؤال أكثر عدلا ما الذي كانت مصر تحتاج إلى بنائه في تلك اللحظة
كان أمام الدولة اقتصاد يحتاج إلى استعادة قدرته على الحركة وقطاع طاقة يحتاج إلى إعادة تنظيم وشبكة نقل تحتاج إلى إعادة تشكيل ومدن جديدة تحتاج إلى الإنشاء واستثمارات تحتاج إلى جذبها وفي الوقت نفسه تهديد إرهابي مباشر وبيئة إقليمية شديدة الاضطراب فهل كان من الممكن مواجهة كل ذلك بنفس الأدوات التي كانت تستخدم قبل 2014 وهل كان من الممكن أن نصل إلى شبكة الطرق والكباري والأنفاق والمحاور والموانئ والمناطق اللوجستية والمدن الجديدة التي نراها اليوم دون إنفاق استثماري كبير وهل كان من الممكن أن تبدأ مصر تنفيذ مشروعها النووي السلمي في الضبعة بأربعة مفاعلات بعد عقود من الحديث عنه دون الانتقال إلى التنفيذ وهل كان من الممكن تجاوز أزمة الكهرباء التي كانت تضرب المنازل والمصانع دون إعادة بناء منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع
الاقتصاد لم يكن يعمل في فراغ والسياسة الاقتصادية لم تكن منفصلة عن إعادة بناء قدرة الدولة نفسها خلال السنوات التالية شهدت مصر توسعا كبيرا في الإنفاق الاستثماري ويمكن بالطبع الاختلاف حول حجمه وترتيب أولوياته وكفاءة بعض مشروعاته لكن من الصعب إنكار أن خريطة الدولة تغيرت توسعت شبكات الطرق والمحاور وتطورت الموانئ ونفذت مشروعات كبرى في النقل والطاقة وأنشئت مدن جديدة ودخلت الدولة في مشروعات استراتيجية طويلة الأجل وفي ملف الطاقة تحديدا انتقلت مصر من أزمة انقطاعات مزمنة إلى امتلاك قدرات توليد أكبر بكثير بالتوازي مع الدخول الفعلي في مشروع الضبعة
وهذا لا يعني أن كل جنيه أنفق كان ذا عائد مثالي لكنه يعني أن تقييم الاقتراض يجب أن ينظر أيضا إلى حجم الأصول والقدرات التي تم إنشاؤها
وهناك جانب لا يمكن فصله عن الصورة الاقتصادية وهو الأمن القومي فمصر لم تكن تعمل في بيئة مستقرة بل كانت تخوض حربا مكلفة ضد الإرهاب في سيناء ومناطق أخرى بينما كانت دول ومؤسسات كاملة تنهار من حولها وهذه الحرب لم تكن مجرد عمليات عسكرية وإنما كانت لها كلفة اقتصادية واجتماعية مباشرة وفي الوقت نفسه كان على الدولة أن تعيد بناء وتطوير قدراتها العسكرية في ظل تعقيد إقليمي متسارع ومن هنا جاء تحديث القدرات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي ليس بهدف زيادة التسليح في حد ذاته وإنما لبناء قدرة ردع تتناسب مع طبيعة التهديدات مع اتجاه أكبر نحو تعميق التصنيع المحلي المرتبط بالدفاع لتقليل الاعتماد الخارجي ولذلك لا يمكن النظر إلى الإنفاق الدفاعي كرقم مجرد في الموازنة لأنه مرتبط بقرار استراتيجي يتعلق بقدرة الدولة على حماية حدودها ومصالحها
لكن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة كاملة نعم الدين الخارجي ارتفع بصورة كبيرة وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها أو تجميلها فقد تجاوز 150 مليار دولار في نهاية 2023 و2024 وأصبحت خدمة الدين تمثل ضغطا واضحا على المالية العامة وتدفقات العملة الأجنبية كما أن برامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي وما رافقها من تحرير لسعر الصرف أدت إلى موجات تضخم وارتفاع أسعار وتحمل المواطن جانب كبيرا من كلفة هذه الإجراءات ولا يمكن تجاهل هذه الكلفة الاجتماعية كما لا يمكن تجاهل الحاجة إلى مراجعة أولويات الإنفاق وإدارة الدين وتعظيم العائد من الاستثمارات التي تمت
غير أن السؤال الجاد لا ينبغي أن يكون فقط كم أصبح الدين وإنما ماذا يقابل هذا الدين وهل استطاعت الدولة أن تزيد قدرتها الإنتاجية والخدمية واللوجستية والأمنية بما يسمح لها مستقبلا بتحمل أعبائه
وتظهر هنا مفارقة مهمة ففي مايو 2014 كان الاحتياطي في حدود 17 مليار دولار بينما تجاوز 56.293 مليار دولار في يوليو 2026 بزيادة نحو 1.2 مليار دولار خلال شهر واحد وفق الرقم المعلن ولا يعني ذلك أن مشكلة العملة انتهت أو أن الضغوط زالت لكنه مؤشر مهم على تغير قدرة القطاع الخارجي مقارنة بنقطة البداية وقد ساهمت في ذلك عوامل متعددة من تحسن السياحة والصادرات إلى جانب تدفقات استثمارية كبيرة في مقدمتها صفقة رأس الحكمة التي وفرت سيولة دولارية مباشرة كان لها أثر واضح في دعم الاحتياطي واستقرار سوق الصرف
ولهذا أرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان رجل الأقدار في واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث تعقيدا ليس لأن كل قرار اقتصادي كان مثاليا وليس لأن مصر أصبحت بلا مشكلات وإنما لأن المرحلة فرضت على القيادة إدارة ملفات متعددة في وقت واحد اقتصاد يحتاج إلى الإصلاح وبنية تحتاج إلى التوسع وطاقة تحتاج إلى إعادة بناء ودولة تواجه الإرهاب وإقليم يتغير بسرعة
قد يكون الاختلاف مشروعا حول طريقة إدارة بعض هذه الملفات لكن الحكم النهائي لن يكون بالشعارات ولن يكون بمجرد رقم الدين وإنما بقدرة مصر على تحويل ما تم بناؤه إلى إنتاج وصادرات واستثمار وفرص عمل وإيرادات حقيقية وبقدرتها على تخفيف أعباء الدين وتحسين مستوى معيشة المواطن
فلا توجد دولة لا تخطئ ولا توجد تجربة تحقق النجاح في كل ملفاتها لكن التاريخ لا ينظر فقط إلى حجم الأزمات وإنما إلى طريقة التعامل معها وما تركته على الأرض ومن هذه الزاوية يمكن فهم هذه السنوات سنوات أعادت فيها الدولة بناء جزء كبير من قدرتها على الحركة لكنها دفعت في المقابل كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة وأصبح التحدي الآن هو تحويل هذه القدرات إلى نمو مستدام يشعر المواطن بعائده وهنا سيكون الاختبار الحقيقي لأن ما يبقى في النهاية ليس الخطاب السياسي وإنما ما تثبته الأرقام وما يظهر أثره على الأرض
