أكدت الدكتورة هبة إبراهيم الشويخ، دكتورة علم الاجتماع، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن عدم اندماج الطفل بسهولة مع باقي الأطفال لا يعني بالضرورة وجود مشكلة لديه، موضحة أن بعض الأطفال يحتاجون إلى وقت أطول بطبيعتهم حتى يشعروا بالأمان داخل المكان الجديد، بينما يواجه آخرون صعوبة في التواصل والمشاركة في المواقف الاجتماعية.

وأوضحت هبة إبراهيم الشويخ أن الأهم هو فهم السبب وراء انسحاب الطفل أو ميله إلى العزلة، لأن عزلة الطفل ليست بالضرورة دليلًا على وجود مشكلة، لكنها في بعض الحالات قد تكون علامة تستدعي الانتباه من الأسرة ومن المكان الذي يوجد فيه الطفل، سواء كان حضانة أو مدرسة.

لماذا ينسحب بعض الأطفال من المشاركة؟

وأشارت د. هبة إبراهيم الشويخ إلى أن أول الأسباب التي قد تجعل الطفل يميل إلى الانسحاب هو طبيعة شخصيته، موضحة أن هناك أطفالًا هادئين وخجولين بطبيعتهم، ويحتاجون إلى وقت أطول قليلًا حتى يعتادوا على الأشخاص الجدد.

وأضافت أن الطفل الهادئ قد يفضل بعد ذلك اللعب مع طفل واحد بدلًا من اللعب ضمن مجموعة كبيرة، وقد يظل لفترة يراقب الأطفال الآخرين وما يفعلونه، ويؤدي دور المراقب قبل أن يبدأ في المشاركة.

وأكدت أن هذا الأمر يمكن اعتباره طبيعيًا إذا كان الطفل داخل المنزل يتمتع بعلاقات جيدة مع أقاربه أو الأطفال في سنه، أو مع أخ أو جار، لأن ذلك يعني أن الطفل قادر على تكوين علاقات اجتماعية، لكنه يحتاج فقط إلى وقت للتأقلم مع البيئة الجديدة.

الخوف من التقييم والفشل قد يدفع الطفل للعزلة

وأوضحت د. هبة أن السبب الثاني قد يرتبط بخوف الطفل من التقييم أو الفشل، فقد يخشى أن يخطئ أمام زملائه أو يتعرض للانتقاد أو السخرية، فيختار الانسحاب بدلًا من الدخول في موقف قد يشعر خلاله بأنه معرض للخطأ أو الحكم عليه.

وأشارت إلى أن السخرية أو الانتقاد المتكرر قد يأتي من الأهل أو الأقارب، وبالتالي فإن الأمر قد يكون مرتبطًا بالبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها الطفل، سواء داخل المنزل أو بين الأقارب والجيران أو حتى في التعامل مع أشخاص غرباء.

وأضافت أن تعرض الطفل للتنمر أو السخرية، أو تعرضه لانتقاد شديد ومتكرر من جانب الأهل، قد يجعله يتجنب المشاركة والألعاب والمنافسة، خاصة إذا أدى ذلك إلى انخفاض ثقته بنفسه وزيادة خوفه من الانتقاد.

تجارب اجتماعية سلبية قد تدفع الطفل للانسحاب

وأكدت أن من الأسباب المهمة أيضًا ما يمكن وصفه بـ«تجارب اجتماعية سلبية» مر بها الطفل في وقت سابق.

وأوضحت أن هناك أطفالًا قد يتعرضون للاستبعاد من اللعب، فمثلًا قد يرغب مجموعة من الأطفال في اللعب ثم يستبعدون طفلًا معينًا من المشاركة، وهو موقف قد يؤثر عليه حتى إذا لم يحكِ الطفل ما تعرض له أو لم يكن مدركًا بشكل كامل لما حدث.

وأضافت أن الطفل في هذه الحالة قد يلجأ إلى الانسحاب باعتباره وسيلة يحمي بها نفسه من تكرار التجربة التي تعرض لها، فيبتعد عن المواقف الاجتماعية بدلًا من الدخول فيها والتعرض مرة أخرى للاستبعاد أو السخرية أو الضغط.

التغير المفاجئ في سلوك الطفل يستدعي البحث عن السبب

وشددت د. هبة إبراهيم الشويخ على أهمية الانتباه إلى التغير المفاجئ في سلوك الطفل، موضحة أن الطفل إذا كان اجتماعيًا في السابق ثم أصبح منعزلًا بشكل مفاجئ، فإن الأمر يتطلب البحث عن السبب الرئيس وراء هذا التغير.

وأشارت إلى ضرورة التساؤل عما إذا كان قد حدث تغير مفاجئ في المنزل أو في البيئة المحيطة بالطفل، أو إذا كان الطفل انتقل إلى مدرسة أخرى أو تغير المكان الموجود فيه، مؤكدة أن المهم هو تصنيف سبب السلوك وفهم ما الذي أدى إلى ظهور الانسحاب.

بعض الأطفال يحتاجون فقط إلى التشجيع

وأوضحت أن هناك أطفالًا يرغبون في المشاركة واللعب، لكنهم يحتاجون فقط إلى التشجيع أو إلى شخص يمنحهم قدرًا من الشجاعة، وبعد ذلك يبدأ الطفل في التصرف والاندماج بصورة أفضل.

وأضافت أن بعض الأطفال قد لا يعرفون كيف يبدأون المشاركة أو كيف يتصرفون في الموقف الاجتماعي، وليس معنى ذلك بالضرورة أنهم لا يريدون اللعب أو تكوين علاقات.

وأشارت إلى أن طريقة تعامل الأسرة قد يكون لها تأثير في هذا الأمر، موضحة أن الأم إذا كانت شديدة القلق على طفلها وتخوفه من كل شيء، وتكرر عليه باستمرار عبارات التحذير مثل «خلي بالك من كذا»، فإن كثرة تكرار هذه الكلمات قد تجعل الطفل أكثر خوفًا وترددًا، وتؤثر على قدرته على الاندماج.

التشجيع داخل الحضانة والمدرسة يساعد الطفل على الإندماج 

وأكدت د. هبة أن مجرد وجود شخص يشجع الطفل، سواء كان مدرسًا أو مديرة للحضانة أو المدرسة، يمكن أن يساعده على التفاعل واكتساب الجرأة، مشيرة إلى أن هذا الدعم قد يكون عاملًا كبيرًا في قدرة الطفل على الاندماج داخل المكان الموجود فيه.

وأضافت أن دور الأخصائي الاجتماعي أو الأخصائي النفسي في المدرسة أو الحضانة يمكن أن يكون مهمًا أيضًا في متابعة الطفل وفهم سلوكه، خاصة أن الطفل قد يحتاج إلى دعم من أكثر من طرف.

هل العزلة مرتبطة دائمًا بمشكلة لدى الطفل؟

وأشارت إلى أن هناك صعوبات أخرى أو اختلافات نمائية يمكن أن تظهر لدى بعض الأطفال، وقد تتضح من خلال درجة الصعوبة التي يواجهها الطفل في اللغة أو التواصل.

وشددت على أن انسحاب الطفل بمفرده لا يكفي لتشخيص وجود مشكلة، وإنما يجب النظر إلى الصورة الكاملة لحالة الطفل، وإذا تطلب الأمر يمكن أن تكون هناك حاجة إلى متابعة طبيب متخصص لتحديد ما إذا كان الطفل يعاني من اضطراب أو قلق اجتماعي مبالغ فيه أو صعوبة في الانتباه.

وأكدت أن الحكم على حالة الطفل يجب ألا يعتمد على سلوك واحد فقط، وإنما على مجموعة من الملاحظات والسلوكيات وطريقة أداء الطفل في مختلف المواقف.

متى يكون ميل الطفل للهدوء أمرًا طبيعيًا؟

وأوضحت د. هبة أن هناك حالات يكون فيها الأمر طبيعيًا، لكنه يحتاج فقط إلى قدر من المجهود والدعم والتشجيع.

وأضافت أن الطفل قد يستمتع أحيانًا باللعب الفردي مع نفسه، أو قد يفضل وجود طفل واحد يحبه داخل المجموعة بدلًا من المشاركة مع جميع الأطفال، وهو أمر يحتاج إلى نظرة دقيقة من المساعد أو «الدادة» أو العاملين مع الأطفال.

وأكدت أن جميع الأطراف الموجودة في البيئة التعليمية يجب أن تشترك في متابعة الطفل، سواء كانت المدرسة أو الحضانة أو الأخصائي الاجتماعي أو الأخصائي النفسي، مشيرة إلى أن الملاحظة المباشرة يمكن أن تساعد على تقييم حالة الطفل بصورة أفضل.

وأوضحت أن انسحاب الطفل في بعض المواقف لا يعني بالضرورة أنه غير قادر على أداء المهام الأخرى، فقد يكون الطفل منعزلًا في بعض المواقف، لكنه يؤدي بصورة جيدة في الأنشطة الأخرى، كما يمكن أن يتحسن مستواه تدريجيًا مع التشجيع.

متى يحتاج الطفل إلى متابعة من الأسرة والمدرسة؟

وأكدت أن هناك علامات تستدعي متابعة أكبر من الأسرة والمدرسة، خاصة عندما يبدأ سلوك الانسحاب في التأثير فعليًا على دراسة الطفل أو حياته اليومية داخل المكان الذي يوجد فيه.

وأوضحت أن من العلامات التي تستدعي الانتباه أن يبدأ الطفل في رفض الذهاب إلى المدرسة بعد فترة من انتظامه، أو أن يكون لديه رفض شديد ومستمر للمشاركة وتكوين العلاقات، رغم وجود إحساس لدى المدرسة أو المسؤول عنه بأن الطفل لديه رغبة شديدة في الانسحاب.

وأضافت أن استمرار الانسحاب أو زيادته بدلًا من انخفاضه مع مرور الوقت يعد من الأمور التي تستوجب الانتباه، وكذلك استمرار القلق والضيق النفسي وعدم تراجعهما مع الوقت، خاصة إذا وصل الأمر إلى نوبات بكاء متكررة وشديدة.

الأسرة والمدرسة شريكان في التعامل مع الطفل

وشددت د. هبة إبراهيم الشويخ على أن التعامل مع هذه الحالات يجب أن يقوم على التعاون بين الأسرة والمدرسة، من خلال تبادل الخبرات والمتابعة والملاحظة المستمرة.

وأكدت أن الطفل لا يجب أن يتلقى أوامر مباشرة من نوع «لازم تشارك» أو أن يتم التعامل معه بعنف أو ضغط حتى يندمج، وإنما يجب أن يتم الأمر بهدوء شديد، ومن دون لوم أو مقارنة.

وحذرت من مقارنته بزملائه، مثل أن يقال له: «شايف زميلك بيلعب؟» أو «شايف أنت كذا؟»، لأن المقارنة واللوم قد يعيدان الطفل خطوات إلى الخلف بدلًا من مساعدته على التقدم.

خطوات صغيرة تساعد الطفل على الاندماج

وأوضحت أن التعامل مع الطفل يمكن أن يبدأ بخطوات صغيرة جدًا، فإذا كان الطفل هادئًا، يمكن محاولة تقريبه من طفل آخر هادئ مثله، ثم مساعدتهما على الاقتراب من بعضهما تدريجيًا.

وأكدت أهمية تشجيع الطفل ومدحه عندما يشارك أو يحاول التفاعل، ولكن من دون وضع ضغط عليه أو إجباره على المشاركة.

كما شددت على ضرورة عدم وصف الطفل بعبارات سلبية مثل «أنت منعزل» أو «أنت خجول»، لأن هذه الكلمات قد تؤثر على صورته عن نفسه وتزيد من شعوره بالاختلاف أو عدم القدرة على الاندماج.

ضرورة متابعة تعرض الطفل للتنمر أو العنف

وشددت د. هبة على ضرورة أن تتضمن متابعة المدرسة ملاحظة ما إذا كان الطفل يتعرض للتنمر أو العنف من الأطفال الآخرين.

وأوضحت أن بعض الأطفال قد تكون أجسامهم أضعف من غيرهم، وقد يمارس طفل آخر عليهم نوعًا من الضغط أو العنف، وهو ما قد يجعل الطفل يشعر بالخوف ويحاول تجنب المكان أو الأشخاص الذين يسببون له هذا الشعور، فيلجأ إلى الانعزال.

وأضافت أن الطفل الذي يتعرض لموقف عنيف من طفل آخر قد يفقد جزءًا من ثقته بنفسه، ويشعر بعدم القدرة على الاندماج والخوف من تكرار التجربة، ولذلك فإن الملاحظة الدقيقة داخل المدرسة أو الحضانة ضرورية لفهم ما يحدث بالفعل.

الملاحظة الدقيقة تكشف السبب الحقيقي وراء الانسحاب

وأكدت د. هبة إبراهيم الشويخ أن الملاحظة الدقيقة والمباشرة والمتابعة المستمرة تساعد على تقييم حالة الطفل بصورة أعمق، وتكشف ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بطبيعة شخصيته، أو ببيئته، أو بتجربة اجتماعية سلبية تعرض لها، أو بطريقة تعامل الآخرين معه.

وأوضحت أن هناك أطفالًا تكون شخصياتهم طبيعية وتميل إلى الهدوء، وقد يكون جسم الطفل ضعيفًا بعض الشيء، ثم يتعرض لموقف عنيف من أطفال آخرين، فيشعر بعدم الثقة وعدم القدرة على الاندماج والخوف، وهو ما قد يظهر في صورة انسحاب وعزلة.

وشددت على أن فهم السبب هو الخطوة الأهم قبل الحكم على الطفل، لأن الطفل الهادئ ليس بالضرورة طفلًا لديه مشكلة، كما أن الطفل المنعزل في موقف معين قد يكون قادرًا على التواصل وتكوين علاقات في مواقف أخرى.

وأكدت أن دور الأسرة والمدرسة والحضانة والأخصائيين يتمثل في الملاحظة والتعاون والتشجيع، مع تجنب الضغط واللوم والمقارنة، حتى يحصل الطفل على المساحة والوقت والدعم الذي يساعده على اكتساب الثقة والاندماج بصورة تدريجية.