منذ إقرار قانون التصالح في مخالفات البناء عام 2023، تحوّل "العداد الكودي" من مجرد أداة تقنية لقياس استهلاك الكهرباء إلى مرآة تعكس واحدة من أكثر الملفات العمرانية والاجتماعية تعقيدًا في مصر: كيف توازن الدولة بين ضبط المخالفات العمرانية المتراكمة عبر عقود، وبين حق ملايين المواطنين في كهرباء عادلة التسعير لا تُحمّلهم فوق طاقتهم؟ بين شريحة موحدة يراها البعض عقابية، وإجراءات تقنين طويلة يشتكي كثيرون من تعقيدها، يبقى السؤال: هل يسير الملف فعليًا نحو الحل، أم أن التعديلات المتكررة تكشف عن أزمة أعمق لم تُحسم بعد؟

من "الممارسة" إلى العداد الكودي

قبل انتشار العدادات الكودية، كانت العقارات المخالفة تُحاسَب على استهلاكها من الكهرباء بنظام تقديري عُرف بـ"الممارسة"، إذ لم تكن هذه الوحدات مسجلة باسم أصحابها لدى شركات التوزيع. لاحقًا، جرى التوسع في تركيب عدادات كودية لهذه العقارات، لا تحمل اسم المالك وإنما رقمًا تعريفيًا فقط، بهدف الحد من سرقة التيار الكهربائي وضبط الاستهلاك دون منح أي صفة قانونية للمبنى نفسه. ووفق بيانات رسمية، بلغ عدد العدادات الكودية التي جرى تركيبها لمبانٍ مخالفة نحو 2.6 مليون عداد خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2024 حتى مطلع الربع الثاني من عام 2026.

تعريفة موحدة.. وربط مباشر بقانون التصالح

اعتبارًا من أبريل 2026، بدأت الدولة تطبيق تعريفة موحدة لاستهلاك الكهرباء على العدادات الكودية بقيمة 2.74 جنيه لكل كيلوواط/ساعة، مقارنة بـ2.14 جنيه قبل التعديل، وذلك بصرف النظر عن حجم الاستهلاك الفعلي، خلافًا لنظام الشرائح التصاعدي المعمول به مع المشتركين القانونيين الذين يبدأ سعر الكيلوواط في حالتهم من نحو 68 قرشًا في الشريحة الأولى. ووفقًا لتصريحات مسؤولين سابقين في جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، فإن هذا القرار استند إلى نص قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، الذي يقضي بمحاسبة العقارات المخالفة التي سبق إمدادها بالمرافق بسعر التكلفة الفعلية دون أي دعم، دون تطبيق أثر رجعي على الفترات السابقة. بعبارة أخرى، أصبح نوع العداد والموقف القانوني للعقار عاملين مباشرين في تحديد فاتورة الكهرباء الشهرية للمواطن، بغض النظر عن دخله أو حجم استهلاكه الفعلي.

"التصالح" لا يعني تلقائيًا "التقنين"

من أكثر النقاط التي أثارت التباسًا لدى المواطنين، الفارق بين إنهاء إجراءات التصالح الإلكتروني على المنظومة، وبين تحويل العداد الكودي فعليًا إلى عداد قانوني باسم صاحب العقار. فبحسب مصادر في وزارة الكهرباء، فإن من ينهي إجراءات التصالح ويحصل على نموذج القبول ومطابقة الهيئة الهندسية، يُعاد تحويله من نظام الشريحة الموحدة إلى نظام المحاسبة بالشرائح التصاعدية، لكن عداده يظل "كوديًا" من الناحية الفنية ولا يتحول تلقائيًا إلى عداد قانوني. أما من يرغب في التحويل الكامل إلى عداد باسمه، فعليه استكمال إجراءات إضافية تشمل تقديم مستندات التصالح أو التقنين، وصورة البطاقة الشخصية، ومستند الملكية أو عقد الإيجار، وبيانات العداد الكودي أو آخر إيصال شحن، عبر المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، ثم سداد الرسوم ومتابعة الطلب حتى إتمام التعاقد. وفي المقابل، تشير تصريحات حديثة لمسؤولين في القطاع إلى أن من يكتفي بالتصالح دون رغبته في تسجيل العداد باسمه، لا يُلزَم بإجراءات التحويل الكامل، طالما كان هدفه الأساسي هو تسوية وضع العقار والاستفادة من نظام المحاسبة بالشرائح بدلًا من الشريحة الموحدة الأعلى.

أرقام الإنجاز.. وملايين لم تتقدم بعد

تستهدف وزارة الكهرباء تحويل نحو 1.2 مليون عداد كودي إلى عدادات قانونية، وذلك للحالات التي صدرت لأصحابها شهادات تصالح رسمية. وحتى مطلع سبتمبر 2026، أعلنت الوزارة الانتهاء من تحويل نحو 605 آلاف عداد، أي ما يعادل قرابة 46.8% من الرقم المستهدف. وفي إطار متصل، جرى الإعلان عن إعادة نحو 550 ألف عداد كودي إلى نظام المحاسبة بالشرائح، خاصة بالحالات التي أنهت إجراءات التصالح إلكترونيًا لكنها لم تستكمل بعد إجراءات التعاقد القانوني الكامل، على أن يستمر من لم ينتهِ من إجراءات التصالح في المحاسبة بالشريحة الموحدة الأعلى سعرًا. لكن خلف هذه الأرقام، تبقى فجوة كبيرة غير محسومة، إذ تشير تقديرات برلمانية إلى أن نحو 3 ملايين مواطن لم يتقدموا بعد بطلبات التصالح وفق القانون السابق الصادر عام 2019، ما يجعل شريحة واسعة من الحائزين على عقارات مخالفة أو عدادات كودية خارج منظومة التسوية الحالية بالكامل.

تعديلات مرتقبة على القانون.. هل تحل العقد المتبقية؟

مع تراكم الشكاوى المرتبطة بصعوبة استكمال إجراءات التصالح في بعض الحالات، ووجود فئات من المواطنين لم يرتكبوا مخالفات مباشرة لكن عقاراتهم تقع ضمن "كتل متناثرة" أو مناطق لا تنطبق عليها القواعد الحالية، تتجه الحكومة إلى إعداد مشروع قانون جديد لتعديل قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023. ووفق تصريحات نيابية، اعتمدت هيئة مستشاري مجلس الوزراء مشروع التعديلات تمهيدًا لعرضه على مجلس الوزراء ثم إحالته إلى مجلس النواب، على أن يتضمن تيسيرات تتيح تحويل العداد الكودي إلى عداد كهرباء عادي بصورة أوسع، مع تأكيدات بعدم وجود أي تهديد بإزالة العقارات التي يجري التصالح عليها. كما تشمل المراجعة المرتقبة وضع قواعد أكثر وضوحًا لمعالجة حالات المتناثرات والمتخللات العمرانية التي لا تندرج مباشرة تحت مفهوم "المخالفة".

سؤال مفتوح

بين تحويل تدريجي لعدادات قانونية لم يتجاوز بعد نصف المستهدف، وملايين المواطنين الذين لم يحسموا بعد موقفهم من التصالح، وتعديلات تشريعية لا تزال في طور الإعداد، يبقى ملف العدادات الكودية معلقًا بين حل هيكلي طويل المدى وإجراءات مسكّنة تعيد إنتاج الأزمة كل بضعة أشهر. فهل تنجح التعديلات المرتقبة على قانون التصالح في إغلاق هذا الملف نهائيًا، أم أن فجوة الملايين الذين لم يتقدموا بعد ستظل تفرض على الدولة إعادة فتح الباب مرارًا في السنوات المقبلة؟