حين يتحول اسم تشريع إلى عبارة يكتبها الآلاف في محركات البحث، فالسؤال الحقيقي ليس «لماذا هو تريند؟» بل «أي قانون يقصدون أصلًا؟». فعبارة «قانون الضريبة» لا تشير في مصر إلى نص واحد، بل إلى منظومة كاملة من التشريعات المتداخلة، وقد شهد عام 2026 تعديلات على أكثر من قانون فيها، بالتزامن مع تصريحات رسمية جديدة أعادت الملف إلى الواجهة. والنتيجة: قلق وفضول وخلط واسع بين ما تغيّر فعلًا وما لم يتغير.

أي «قانون ضريبة» هذا؟

المقصود في الغالب هو القانون رقم 151 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، وقد نُشر في الجريدة الرسمية أواخر يوليو الماضي بعد موافقة مجلس النواب وتصديق رئيس الجمهورية. وهو لا يلغي قانون الدخل القائم، وإنما يعدّل مواد محددة داخله.

لكن الصورة لا تكتمل دون التمييز بينه وبين قوانين أخرى صدرت في العام نفسه أو قبله:

  • القانون رقم 150 لسنة 2026 الخاص بتعديل قانون الإجراءات الضريبية الموحد.
  • القانون رقم 153 لسنة 2026 الخاص بتعديل بعض أحكام قانون ضريبة الدمغة.
  • القانون رقم 6 لسنة 2025 المتعلق بالحوافز والتيسيرات الضريبية للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه.

هذا التعدد وحده يفسر جانبًا كبيرًا من الارتباك؛ فكل قانون له نطاقه وفئاته، وما ينطبق على مستثمر في البورصة لا ينطبق بالضرورة على صاحب ورشة أو متجر.

لماذا عاد الملف إلى الواجهة الآن؟

عاملان تراكما: الأول هو دخول تعديلات قانون الدخل مرحلة التطبيق والشرح بعد نشرها، والثاني هو الإعلان الرسمي هذا الأسبوع عن إلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل، وهي المادة التي ظلت لسنوات الغطاء التشريعي للمحاسبة التقديرية والجزافية. وحين يجتمع نص قانوني تقني بعنوان صحفي مختصر مثل «قانون الضريبة الجديد»، يصبح من الطبيعي أن يبحث المواطن عن إجابة مباشرة: هل سأدفع أكثر؟

ما الذي تغيّر لسوق المال والشركات؟

أكثر التعديلات وضوحًا تتركز في سوق الأوراق المالية والاستثمار:

  • إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع عدم جواز خصم خسائرها، واستثناء حالات الشطب التي قد تُستغل للتحايل على الإعفاء.
  • الاكتفاء بضريبة الدمغة على هذه التعاملات بواقع نصف في الألف على البائع وعلى المشتري، مع إخراج الأوراق غير المقيدة من نطاق الدمغة وإخضاعها لضريبة الدخل وحدها، تفاديًا للازدواج الضريبي.
  • رفع إعفاء توزيعات الأرباح التي تحصل عليها الشركة القابضة أو الأم من شركاتها التابعة من 90% إلى 100%، بشرط ألا تقل مساهمتها عن 25% وأن تحتفظ بها عامين على الأقل.
  • إعفاء عوائد السندات غير الحكومية المقيدة بالبورصة، وإعفاء نشاط «صانع السوق» من الدمغة.
  • حوافز للشركات المشاركة في مشروعات البنية التحتية القومية فيما يتعلق بمعالجة عوائد القروض، وفق معايير عامة لا تخص شركات بعينها، إلى جانب تيسيرات في اعتماد الديون المعدومة وتنظيم بعض التصرفات العقارية.

الرسالة الحكومية هنا واضحة: تنشيط البورصة وجذب الشركات القابضة والمراكز الإقليمية، وتصفية ملفات الازدواج الضريبي التي اشتكى منها المستثمرون طويلًا.

المادة 18.. نهاية «الجزافي»؟

الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية لأصحاب الأنشطة هو إلغاء المادة 18. فقد كانت هذه المادة تتيح إصدار تعليمات بنسب صافي الربح، ومن ثم محاسبة الممول على تقدير لا على أرباح مثبتة في دفاتر. وأفادت رئيس مصلحة الضرائب بأن الإلغاء يستهدف إنهاء أسباب المنازعات الناتجة عن التقديرات الجزافية، وترسيخ الفحص القائم على البيانات والمستندات.

وتتضمن الحزمة الجديدة ثلاثة عناصر لا بد من التوقف عندها:

  1. جدول زمني تدريجي: تظل القرارات والتعليمات الصادرة استنادًا إلى المادة 18 سارية على الفترات الضريبية حتى 2027، على أن تبدأ المحاسبة القائمة كليًا على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية اعتبارًا من الفترة الضريبية 2028.
  2. إلغاء الحد الأدنى لإمساك الدفاتر، الذي كان محددًا بـ500 ألف جنيه، ليصبح جميع الممولين ملزمين قانونًا بإمساك دفاتر وسجلات منتظمة.
  3. ربط ذلك بالفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني بوصفهما العمود الفقري للفحص المستندي الجديد.

وفي المقابل، دعت المصلحة أصحاب المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه إلى الاستفادة من النظام المبسط في القانون رقم 6 لسنة 2025، باعتباره بديلًا ميسرًا للاندماج في المنظومة الرسمية.

وماذا عن المواطن العادي؟

بحسب ما أُعلن رسميًا، لا تفرض التعديلات ضريبة جديدة موحدة على جميع المواطنين، ولا يعني تداول عبارة «قانون الضريبة الجديد» أن كل موظف أو صاحب دخل سيرى تغيرًا تلقائيًا في ما يُخصم منه. لكن هذا لا يعني أن الأثر منعدم:

  • المستثمر الفرد في البورصة هو المستفيد المباشر من إعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم المقيدة.
  • صاحب النشاط الصغير أو المهني هو الأكثر تأثرًا بإلغاء التقدير الجزافي؛ فالتخلص من «الحساب بالتقدير» يقابله التزام بالتوثيق والفواتير والدفاتر.
  • المواطن المتعامل مع تلك الأنشطة قد يلمس الأثر بصورة غير مباشرة، حين يتحول التعامل بالفاتورة والإيصال الرسمي إلى قاعدة لا استثناء.

والنصيحة العملية التي تفرضها هذه التعددية: قبل أن تسأل «هل زادت الضريبة؟» اسأل أولًا: أي قانون ينطبق على دخلي ونشاطي؟

قراءة تحليلية: مكاسب واضحة.. وكلفة مؤجلة

من زاوية الإصلاح الضريبي، تبدو الحزمة منسجمة: إعفاءات تجتذب رؤوس الأموال، وتقدير جزافي يُطوى لصالح بيانات مثبتة، ومنازعات كانت تمتد لسنوات يُراد تقليصها. غير أن الانتقال من التقدير إلى الدفاتر ليس مجرد تغيير في المعادلة الحسابية، بل تغيير في ثقافة التعامل بين الممول والمصلحة، وهو يتطلب من الأنشطة الصغيرة والفردية قدرة على مسك السجلات وتكلفة محاسبية وتقنية قد لا تكون متاحة للجميع اليوم.

وفي الجهة المقابلة، يثير إعفاء أرباح البورصة سؤال العدالة الضريبية: هل يكفي أن تكون الدمغة بديلًا عن ضريبة الدخل على المكاسب الرأسمالية، بينما يُطالَب صاحب النشاط الصغير بمسك دفاتر كاملة؟

يبقى الاختبار الحقيقي عام 2028، حين تبدأ المحاسبة الكاملة على الدفاتر والمنظومات الرقمية: هل ستنجح المنظومة في تقليص المنازعات فعلًا وتوسيع القاعدة الضريبية، أم أن العبء سينتقل من «التقدير الجزافي» إلى «الامتثال المكلف» على من لا يملكون أدواته؟