لم تعد زيادة الإنتاج وحدها هي المؤشر الأهم على تطور صناعة الغزل والنسيج في مصر، فالمكون المحلي وقدرة المصانع على توفير مراحل الإنتاج داخل السوق أصبحتا جزءًا أساسيًا من معادلة التوسع الصناعي وزيادة الصادرات.

وتكشف بيانات مصانع النسيج التي تفقدها وزير الصناعة مؤخرًا بمدينة السادس من أكتوبر عن نموذج واضح لهذا التوجه؛ إذ تصل نسبة المكون المحلي في أحد المصانع إلى 90%، بينما تبلغ 80% في مصنع آخر، بالتزامن مع توجيه جزء كبير من الإنتاج إلى أسواق خارجية.

وتأتي هذه المؤشرات في وقت سجلت فيه صادرات مصر من الغزل والمنسوجات نحو 1.167 مليار دولار خلال عام 2025، بحسب بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، مقابل 3.394 مليار دولار لصادرات الملابس الجاهزة خلال العام نفسه.

المكون المحلي لصناعة النسيج يتحول إلى عنصر رئيسي في المنافسة

داخل مصنع «نجا تكس» بمدينة السادس من أكتوبر، يبلغ المكون المحلي نحو 90% من الإنتاج، بينما تصل الاستثمارات إلى 300 مليون جنيه، وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية نحو 1.44 مليون متر من الأقمشة.

ولا يقتصر نشاط المصنع على السوق المحلية، إذ يتم تصدير نحو 60% من إنتاجه إلى أسواق تشمل سويسرا وتركيا وألمانيا والبرازيل وإيطاليا، بإجمالي صادرات يبلغ نحو مليوني دولار.

ويعكس هذا النموذج أهمية وجود مراحل إنتاج محلية قادرة على توفير الخامات والمنتجات الوسيطة بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد، خصوصًا في صناعة ترتبط بها مراحل متعددة تبدأ من الألياف والغزل وتمتد إلى النسيج والصباغة والطباعة والتجهيز ثم الملابس الجاهزة.

وفي مصنع «مصر السلام» للملابس والتريكو والصباغة والطباعة والتجهيز، تبلغ نسبة المكون المحلي نحو 80%، فيما تصل الاستثمارات إلى 600 مليون جنيه، وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية نحو 5 آلاف طن من الأقمشة المصبوغة والمطبوعة.

ويصدر المصنع نحو 20% من إنتاجه إلى تركيا والمغرب بقيمة تصل إلى 3 ملايين دولار، ويوفر نحو 1800 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

من القطن إلى القماش.. تعميق الصناعة يغير شكل القطاع

تضع الدولة تطوير صناعة الغزل والنسيج ضمن مسار أوسع يستهدف إعادة بناء حلقات الصناعة وزيادة القيمة المضافة محليًا.

وتتضمن الاستراتيجية الحكومية لتطوير القطاع تحديث شركات الغزل والنسيج، وتطوير البنية التحتية والمعدات، ورفع كفاءة مراحل الإنتاج المختلفة، مع العمل على ربط مراحل الصناعة ببعضها بصورة أكثر تكاملًا. وكانت الحكومة قد أعلنت أن مشروع تطوير شركات الغزل والنسيج التابعة لقطاع الأعمال العام تتجاوز تكلفته 23 مليار جنيه.

وخلال 2025، شهد المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج تشغيل مصانع جديدة واستكمال مراحل أخرى، مع استمرار تحديث مصانع الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز في عدد من الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام.

كما أصبح تعميق التصنيع المحلي محورًا مباشرًا في اجتماعات الحكومة مع ممثلي صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، حيث ناقشت الجهات المعنية في يناير 2026 سبل تعميق التصنيع المحلي وتقليل فاتورة الواردات وزيادة القدرة التصديرية للقطاع.

الصادرات تكشف حجم الفرصة

تظهر أرقام التجارة الخارجية أن صناعة الغزل والمنسوجات أصبحت جزءًا مهمًا من هيكل الصادرات الصناعية المصرية.

ففي عام 2025 بلغت صادرات القطاع 1.167 مليار دولار، بينما سجلت صادرات الملابس الجاهزة 3.394 مليار دولار، وهو ما يعكس وجود قاعدة تصديرية قائمة بالفعل تمتد من الخامات والمنسوجات إلى المنتجات النهائية.

وفي الوقت نفسه، لا تتحرك الصناعة في اتجاه السوق الخارجية فقط، وإنما تعمل أيضًا على زيادة قدرتها على توفير احتياجات مراحل الإنتاج المختلفة داخل مصر.

وهنا تكتسب نسب المكون المحلي التي تظهر في المصانع الجديدة أو المطورة أهمية خاصة؛ فارتفاع نسبة المكونات المحلية يعني أن جزءًا أكبر من القيمة الاقتصادية للعملية الإنتاجية يتم داخل الاقتصاد المصري، بداية من الخامات والمنتجات الوسيطة وحتى المنتج النهائي.

الاستثمارات الخاصة تدعم الاتجاه نفسه

لا يقتصر تطوير الصناعة على شركات قطاع الأعمال العام، إذ تظهر الاستثمارات الخاصة في مصانع النسيج والصباغة والتجهيز توسعًا في الطاقات الإنتاجية وربطًا مباشرًا بالأسواق الخارجية.

وتقدم مصانع السادس من أكتوبر مثالًا على ذلك؛ فمصنع «نجا تكس» يجمع بين استثمارات تبلغ 300 مليون جنيه ونسبة مكون محلي تصل إلى 90% وتصدير 60% من الإنتاج، بينما يجمع مصنع «مصر السلام» بين استثمارات تبلغ 600 مليون جنيه وطاقة إنتاجية تصل إلى 5 آلاف طن سنويًا ونسبة مكون محلي تبلغ 80%.

وهذا النوع من الاستثمارات لا يضيف طاقة إنتاجية فقط، وإنما يوسع قاعدة الموردين المحليين ويزيد الطلب على الخدمات والمدخلات المرتبطة بالصناعة، من الغزل والأقمشة إلى الصباغة والطباعة والتجهيز والنقل والتعبئة.

التوسع لا يتوقف عند السوق التقليدية

تعمل مصر في الوقت نفسه على جذب استثمارات جديدة إلى قطاع الغزل والنسيج والملابس.

ومن أحدث النماذج الموافقة الحكومية على إقامة مشروع «كرامانس إيجيبت إنترناشيونال» في المنطقة الصناعية بالروبيكي، باستثمارات تبلغ نحو 14.125 مليون دولار، ويستهدف إنتاج 12 مليون متر من النسيج المستطيل سنويًا و7 آلاف طن من الأقمشة والنسيج الدائري، مع استهداف تصدير كامل الإنتاج وتشغيل نحو 1500 عامل مصري.

ويعني دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى هذه المنظومة أن المنافسة لم تعد مرتبطة فقط بزيادة عدد المصانع، وإنما بقدرتها على تحقيق مستويات أعلى من القيمة المضافة والجودة والارتباط بالأسواق الدولية.

من صناعة تقليدية إلى سلسلة قيمة متكاملة

الصورة الحالية لصناعة النسيج المصرية تجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: تحديث القدرات الإنتاجية القائمة، وزيادة الاستثمارات الجديدة، ورفع نسبة المكون المحلي.

وتظهر بيانات المصانع التي جرى تفقدها في السادس من أكتوبر أن الوصول إلى نسب مكون محلي تتراوح بين 80% و90% أصبح ممكنًا في عدد من المنشآت الصناعية، بالتزامن مع توجيه نسبة من الإنتاج إلى التصدير.

وفي المقابل، تعمل الدولة على تحديث القاعدة الصناعية التابعة لها واستكمال مشروع تطوير شركات الغزل والنسيج، بينما تستهدف الاستثمارات الجديدة زيادة الطاقات الإنتاجية وربطها بالأسواق الخارجية.

وبذلك، فإن التطور الأبرز في صناعة النسيج المصرية لا يتمثل فقط في ارتفاع حجم الإنتاج أو زيادة عدد المصانع، وإنما في زيادة القيمة التي يتم تصنيعها داخل مصر قبل خروج المنتج إلى السوق المحلية أو التصدير.

ومع وصول صادرات الغزل والمنسوجات إلى 1.167 مليار دولار في 2025، واستمرار ضخ استثمارات جديدة وتحديث المصانع القائمة، يصبح تعميق المكون المحلي أحد المؤشرات الرئيسية على قدرة القطاع على الانتقال من مجرد إنتاج المنسوجات إلى بناء سلسلة قيمة صناعية أكثر تكاملًا داخل مصر.