للمرة تلو الأخرى، اختارت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، في قرار بدا للوهلة الأولى انعكاسًا لثقة متنامية في تراجع موجة الغلاء التي أرهقت المواطن المصري خلال السنوات الأخيرة. غير أن قراءة متأنية للأرقام الرسمية تكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد رقم واحد يتراجع: فبينما ينخفض معدل التضخم العام للشهر الثاني على التوالي، يتحرك التضخم الأساسي في الاتجاه المعاكس تمامًا، وتواصل فاتورة السكن والطاقة استنزاف جيوب الأسر المصرية دون أن تلتفت كثيرًا إلى الرقم المعلن. فهل يعكس تثبيت الفائدة قناعة حقيقية بأن معركة الأسعار توشك على الحسم، أم أنه اعتراف ضمني بأن الطريق أمام استقرار الأسعار ما زال طويلاً، بينما يستمر المواطن في تحمل الفاتورة وحده؟

تراجع طفيف في الرقم المعلن.. لكن التفاصيل أكثر تعقيدًا

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء استقرار الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين عند مستوى 289.8 نقطة خلال أغسطس 2026، دون تغيير يُذكر عن مستواه المسجل في يوليو الماضي. وعلى الأساس السنوي، تراجع معدل التضخم العام لإجمالي الجمهورية إلى 12.7% في أغسطس، مقابل 13.0% في يوليو، في تباطؤ يمثل ثاني شهر متتالٍ من التراجع بعد أشهر من الضغط السعري المتصاعد.

غير أن ثبات الرقم القياسي على الأساس الشهري لم يكن نتيجة توقف الأسعار عن الحركة، بل نتيجة توازن هش بين اتجاهين متعاكسين: انخفاضات ملحوظة سجلتها أسعار الخضروات واللحوم والدواجن من جهة، وزيادات في أسعار الكهرباء والغاز والوقود وعدد من الخدمات والسلع الأخرى من جهة مقابلة. بعبارة أخرى، فإن الاستقرار الظاهري في الرقم الإجمالي يخفي تحت سطحه استمرار ارتفاعات هيكلية في قطاعات بعينها، عوّضتها مؤقتًا انخفاضات موسمية في قطاعات أخرى قد لا تدوم طويلاً.

التضخم الأساسي يروي حكاية مختلفة

في مقابل التراجع الذي سجله الرقم العام، يكشف مؤشر التضخم الأساسي الذي يحسبه البنك المركزي المصري - والذي يستبعد من حساباته بعض السلع شديدة التقلب كالخضروات والفاكهة - عن صورة معاكسة تمامًا لما توحي به العناوين الرسمية. فقد ارتفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 14.9% في أغسطس 2026، مقابل 14.7% في يوليو، بينما قفز معدل تغيره الشهري إلى 0.3% في أغسطس مقابل صفر% في يوليو، في إشارة إلى تسارع، لا تباطؤ، وتيرة ارتفاع الأسعار على المستوى الأساسي.

وتكمن أهمية هذا التباعد بين المؤشرين في أن التضخم الأساسي يُنظر إليه عادة باعتباره المقياس الأكثر دلالة على الضغوط التضخمية الكامنة والمتجذرة في الاقتصاد، بمنأى عن التقلبات الموسمية في أسعار الغذاء الطازج. فحين يتراجع الرقم العام بينما يتصاعد الرقم الأساسي في الوقت ذاته، يصبح من الصعب الجزم بأن موجة الغلاء بدأت تفقد قوتها فعليًا، إذ قد يكون التحسن الظاهري في المعدل العام مجرد انعكاس مؤقت لتراجع عرضي في أسعار بعض السلع الغذائية، لا انحسارًا حقيقيًا في جذور المشكلة.

فاتورة السكن والطاقة.. العبء الذي لا يعرف التراجع

بعيدًا عن الأرقام الإجمالية التي تتصدر العناوين، تكشف بيانات التضخم القطاعي أن مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز تصدرت قائمة الارتفاعات السنوية بنسبة بلغت 33% خلال أغسطس 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتظل المصدر الأكبر للضغط على موازنة الأسرة المصرية. كما سجلت مجموعة الطعام والمشروبات ارتفاعًا سنويًا بلغ 6.5%، رغم التراجعات الشهرية التي شهدتها بعض بنودها الطازجة.

وخلافًا للتقلبات الموسمية التي تشهدها أسعار الخضروات واللحوم بين شهر وآخر، تمثل زيادات أسعار الكهرباء والغاز والوقود ضغطًا هيكليًا مرتبطًا بمسار تعديل أسعار الطاقة المدعومة، وهو ما يجعلها أقل عرضة للتراجع في المدى القريب مقارنة ببنود الغذاء الطازج التي قد تنخفض أسعارها في أي موسم حصاد. وهذا ما يفسر إلى حد بعيد لماذا لا يشعر كثير من المواطنين بأي "تراجع" فعلي في تكلفة معيشتهم اليومية، رغم أن الرقم الرسمي للتضخم يواصل الانخفاض للشهر الثاني على التوالي.

البنك المركزي يراهن على عام كامل قبل بلوغ الهدف

في بيانها الصادر عقب اجتماع الخميس الموافق 24 سبتمبر 2026، أبقت لجنة السياسة النقدية على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20% على الترتيب، مع تثبيت سعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%، لتستمر أسعار الفائدة عند مستوياتها الراهنة منذ أبريل 2026، وذلك بعد آخر تخفيض أقرته اللجنة بواقع 100 نقطة أساس في اجتماعها بتاريخ 12 فبراير 2026.

ولفت بيان البنك إلى أن المعدل السنوي للتضخم العام يُتوقع أن يشهد استقرارًا - لا تراجعًا - خلال الربع الثالث من عام 2026، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا ليصل إلى المستهدف البالغ 7% بحد تفاوت يصل إلى نقطتين مئويتين خلال النصف الثاني من عام 2027، أي بعد أكثر من عام كامل من تاريخ القرار الحالي. كما أشار البيان إلى أن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة بوجه عام على المستوى العالمي، رغم تفاوت حدة الضغوط التضخمية بين الاقتصادات، وهو ما يدفع البنوك المركزية - بحسب صياغة البيان - إلى انتهاج سياسات نقدية حذرة تتسق مع الأوضاع الاقتصادية السائدة.

ووفقًا للجدول الزمني المعلن، يتبقى للجنة السياسة النقدية اجتماعان اثنان خلال العام الجاري: الأول في 29 أكتوبر، والثاني في 17 ديسمبر 2026.

قراءات متباينة للمرحلة المقبلة

لم يكن المشهد قبل قرار التثبيت موحدًا بين المحللين الاقتصاديين. فبينما رجحت غالبية التقديرات استمرار تثبيت الفائدة، ذهبت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة إتش سي للأوراق المالية والاستثمار، إلى احتمال إقدام البنك المركزي على رفع الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، مرجحة أن الاستقرار النسبي الذي يشهده الوضع الخارجي للاقتصاد المصري قد لا يكون كافيًا وحده لمواجهة تحديات مقبلة، في ظل التصعيد الجيوسياسي الإقليمي وتداعياته المحتملة على أسعار الطاقة.

وفي السياق ذاته، أرجأت وكالة التصنيف الائتماني الدولية ستاندرد آند بورز توقعاتها لبدء دورة خفض الفائدة إلى نهاية عام 2026، في قراءة تتقاطع مع تقييم صندوق النقد الدولي الذي أكد قدرة الاقتصاد المصري على الصمود في مواجهة الصدمات الإقليمية، مع تحذيره في الوقت نفسه من استمرار وجود نقاط ضعف هيكلية لم تُحسم بعد.

سؤال مفتوح لم تحسمه الأرقام بعد

بين رقم عام يتراجع للشهر الثاني على التوالي ويمنح مساحة للتفاؤل الحذر، ورقم أساسي يتحرك في الاتجاه المضاد تمامًا، وفاتورة سكن وطاقة لا تعرف طريقها إلى الهدوء؛ وبين بنك مركزي يعلن صراحةً أن الطريق إلى هدف التضخم ما زال يحتاج عامًا كاملاً آخر على الأقل، وسوق منقسم بين من يرى مساحة لخفض الفائدة قريبًا ومن يحذر من احتمال رفعها؛ يبقى السؤال مطروحًا دون إجابة حاسمة: هل يعكس تثبيت الفائدة ثقة حقيقية في أن موجة الغلاء بدأت تفقد زخمها فعليًا، أم أنه إقرار ضمني بأن معركة الأسعار في مصر لم تُحسم بعد، وأن المواطن سيظل هو من يدفع فاتورتها طوال الفترة الانتقالية المقبلة؟