في ليلة لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، تعلو أزيز المسيّرات فوق مجرى الدانوب، فتنطلق مقاتلات حلف شمال الأطلسي من قواعدها في عجلة، وتُطلق صفارات الإنذار في قرى حدودية رومانية لم تكن تتوقع يومًا أن تتحول إلى خط تماس مع حرب تدور على بعد كيلومترات منها.

 

 وعلى الجانب الآخر من القارة، يقف قطار يقلّ مسؤولين غربيين سابقين قرب الحدود البولندية الأوكرانية في مرمى مسيّرة روسية، في مشهد بدا للمراقبين أشبه برسالة سياسية مكتوبة بالنار أكثر منه حادثًا عسكريًا عابرًا.

وبين المشهدين، تتراكم الأرقام التي يصعب تجاهلها: عشرات الهجمات قرب حدود دولة عضو في الحلف خلال أشهر قليلة، وتحذيرات استخباراتية متتابعة من خطوة أبعد، وتصريحات أوروبية تتحدث عن «كل شبر» من أراضي الحلفاء. لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد صراع بين دولتين على جغرافيا بعينها، بل تحولت إلى اختبار يومي لصبر الحلف وحدود ردعه وقدرته على الإجابة عن سؤال لا يريد أحد في بروكسل ولا في موسكو الإجابة عنه صراحة: متى يتحول الاختراق إلى اعتداء، ومتى يصبح الاعتداء سببًا للحرب؟ وفي القاهرة، التي تعتمد على استقرار ممرات الحبوب في البحر الأسود، لا يبدو السؤال بعيدًا كما قد يظن البعض.

رومانيا.. الجبهة الأكثر سخونة في خاصرة الحلف

تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الدفاع الرومانية حجم التحول الجاري. فقد هاجمت روسيا أهدافًا قريبة من الحدود الرومانية 54 مرة منذ مطلع العام الجاري، مقابل 28 هجومًا في عام 2025 بأكمله، أي أن الوتيرة تقارب الضعف قبل أن ينتهي العام. وتقع رومانيا على نهر الدانوب الذي يفصلها عن أوكرانيا، وتطل موانئه على البحر الأسود الذي بات مسرحًا نشطًا لهجمات متبادلة تستهدف الملاحة التجارية والعسكرية، ما يضع الأراضي الرومانية في قلب الضربات الليلية الروسية ويجبر طائرات الحلف على الإقلاع بمعدلات متزايدة.

وفي تقييمه للحوادث، لم يستبعد مسؤول في وزارة الدفاع الرومانية وجود «نية هجينة» لدى موسكو تفسّر دخول هذا العدد من المسيّرات إلى المجال الجوي للحلف.

وعقب حادثة مدينة غالاتي، أعلن الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء، بعد اتصال أجراه بالرئيس الروماني نيكوشور دان. وفي المقابل، لا تزال مسيّرات روسية تُرصد في مولدوفا غير العضو في الحلف، ما يعني أن دائرة التأثير تتسع خارج نطاق المظلة الأطلسية نفسها.

بولندا.. حين تصبح السكك الحديدية ساحة رسائل

على حدود بولندا، جاءت الضربة التي أصابت قطارًا كان يقلّ مجموعة من المسؤولين الغربيين السابقين أثناء مغادرتهم الأراضي الأوكرانية. وبحسب شبكة السكك الحديدية الأوكرانية، فإن الهجوم ربما استهدف مسؤولين أجانب، ما يمنحه بعدًا يتجاوز الجانب العسكري إلى الرسائل السياسية الموجهة للحلفاء الغربيين.

ويرى محللون أن الهدف المرجّح هو حرمان أوكرانيا من الاستخدام الحر لمعابرها الحدودية وشبكة سككها في نقل البضائع والزوار المهمين، وإبقاء جيرانها الغربيين في حالة قلق دائم. وتتفق هذه القراءة مع تحذيرات استخباراتية غربية ترددت منذ أشهر، مفادها أن موسكو ستسعى إلى شكل من أشكال التصعيد مع حلفاء كييف، على الأرجح في مساحة «هجينة» قابلة للإنكار، لا عبر مواجهة مفتوحة.

تحذيرات استخباراتية وتصعيد متدرج

لا تتوقف المؤشرات عند حوادث الحدود. فقد حذّر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك هذا الشهر من تقييمات استخباراتية تشير إلى أن روسيا تخطط لضربات بالمسيّرات والصواريخ ضد دول تدعم أوكرانيا، ومنها بولندا ورومانيا. كما تتحدث تحليلات غربية عن تقدير استخباراتي دنماركي لـ«خطر منخفض لكنه متزايد» بوقوع هجوم روسي محدود على دول حدودية في الحلف، في صورة ضربات معزولة تستهدف بنى تحتية تدعم أوكرانيا، مع احتمال أن تسعى موسكو إلى إلقاء المسؤولية على تشويش أوكراني أو على مسيّرات أوكرانية الصنع. وتبقى هذه القراءة في إطار التقديرات والتحليلات، لا الوقائع المؤكدة.

ولا يأتي ذلك من فراغ. ففي يناير الماضي، أثارت ضربة بصاروخ «أوريشنيك» متوسط المدى على غرب أوكرانيا، على بعد نحو 70 كيلومترًا من الحدود البولندية، إدانات من فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي وصفتها بأنها تصعيد غير مقبول، وانتهت باجتماع طارئ لمجلس الأمن. وفي ألمانيا، عُثر على طائرة مسيّرة مسلحة في مطار لايبزيغ قرب طائرات شحن يستخدمها الحلف وأوكرانيا، وربط محققون بينها وبين روسيا.

لماذا الرمادي لا الأحمر؟

رغم كل ذلك، يميل أغلب المحللين إلى أن المواجهة التقليدية المباشرة بين روسيا والناتو ما زالت احتمالًا ضعيفًا، لأن الكرملين يدرك أنه سيخسرها سريعًا. وبدلًا من ذلك، تدفع الضغوط على موسكو، مع تعثر تقدم جيشها داخل أوكرانيا وتزايد الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، إلى توسيع حملة «المنطقة الرمادية» ضد حلفاء كييف الأوروبيين، بهدف حرمان أوكرانيا من الدعم الحيوي وتخفيف الضغط عن حربها المتعثرة.

وتكمن خطورة هذا المسار في أنه مصمم لاستغلال بطء الحلف لا لإحداث أكبر قدر من الدمار. فالناتو يصدر بيانات التنديد، بينما تتعلم موسكو في كل مرة كيف يصل الحلف إلى استنتاجاته، وإلى أي مدى تتباين مواقف أعضائه. ويبقى سؤال الإسناد، أي تحديد الجهة المسؤولة عن هجوم غامض قبل الرد عليه، من أصعب ما يواجه الحلف في اللحظة الراهنة.

المادة الخامسة.. العتبة التي لا يريد أحد اختبارها

تنص المادة الخامسة من ميثاق الحلف على أن الهجوم على أحد الأعضاء هجوم على الجميع، لكنها تترك لكل دولة تقدير شكل ردها. وتتضاعف المعضلة حين تكون الهجمات صغيرة ومتفرقة ويمكن نسبتها إلى «خطأ تقني» أو «تشويش»، إذ يصعب حينها حشد توافق أطلسي حول رد جماعي. وهنا يتساءل خبراء الأمن الأوروبي عن مدى جاهزية الحلف، وعن موقف الولايات المتحدة إن تحول الأمر من اختراقات إلى ضربات مقصودة.

القاهرة والبحر الأسود.. أبعد مما تبدو الجغرافيا

لا تقف تداعيات التصعيد عند حدود أوروبا. فاستهداف الموانئ الأوكرانية، وفي مقدمتها أوديسا، يرى فيه محللون محاولة لعزل أوكرانيا عن البحر الأسود، أحد أهم شرايين الحبوب في العالم. وتُعد مصر من أكبر مستوردي القمح عالميًا، ما يجعل أي اضطراب إضافي في هذه الممرات عاملًا مؤثرًا في كلفة الاستيراد وفي حسابات الأمن الغذائي، حتى لو بدا الصراع بعيدًا عن الحدود المصرية.

بين اختراق عارض وتصعيد مقصود، وبين بيانات الاستنكار وحسابات الردع، تتحرك المنطقة على حافة خط رفيع. فهل يستطيع الحلف أن يمنع الانزلاق من «حرب الظل» إلى مواجهة مباشرة، أم أن موسكو ستواصل اختبار حدوده حتى يأتي يوم يضطر فيه أحد الطرفين إلى حسم ما تركه غامضًا طوال هذه المدة؟