تظل منطقة الدرب الأحمر بقلب القاهرة التاريخية شاهدة على فصول حية من تاريخ العمارة الإسلامية؛ ومن بين حناياها الإبداعية تبرز "قبة سليمان الخادم" المعروفة بـ زاوية الشيخ سعود، كأثر فريد يحمل رقم 510 في سجلات الآثار الإسلامية المصرية. القبة التي شُيدت في عام 941هـ / 1534م بأمر من الوالي العثماني سليمان باشا الخادم، تصارع اليوم من أجل البقاء وسط حالة ترميمية "متوسطة" وتعديات عمرانية متراكمة.

الأثر الوحيد الباقي من "الزاوية الكبرى".. تفاصيل الوقف الضائع

لم تكن هذه القبة مجرد بناء منفرد في أصل نشأتها، بل كانت جزءاً من زاوية كبرى متكاملة أوقفها الوالي، واشتملت على مسجد لإقامة الصلوات، ومسكن، وقبة ضريحية خُصصت ليدفن فيها الوالي وفقاً لنص الوقفية التاريخي.

وقد وثّق المؤرخ الكبير علي مبارك في موسوعته الشهيرة "الخطط التوفيقية" تفاصيل هذا المكان تحت اسم "زاوية الشيخ سعود المجذوب"، مشيراً إلى أنها زاوية صغيرة يقع بداخلها ضريحه، وتلوها قبة خضراء بناها سليمان باشا، ولم يخفِ "مبارك" في رصده التاريخي أن الشعائر الدينية بها كانت تشوبها بعض التعطيل في ذلك الوقت.

تدخل تاريخي عمره قرن.. و"التعديات" تهدد الملحقات والحوانيت

تاريخ الحفاظ على هذا الأثر يعود إلى عام 1911م، حينما تدخلت لجنة حفظ الآثار العربية لإنقاذ القبة عبر إنشاء مدخل مستقل لها، وعزل الضريح عن المنازل الملاصقة له من جوانبه الثلاثة لحمايته من الزحف العمراني.

غير أن القبة تواجه اليوم وضعاً إنشائياً يوصف بـ "المتوسط"، نتيجة غياب أعمال الترميم الحديثة، فضلاً عن تعرضها لسلسلة من التعديات الصارخة التي تمثلت في الاستيلاء على أراضي الزاوية وملحقاتها من منافع وحقوق، بالإضافة إلى الحوانيت "المحلات" التي كان قد أوقفها الوالي سليمان باشا خصيصاً ليعود ريعها على صيانة الزاوية واستمرار خدماتها.

الكسوة الخضراء والمثلثات الهرمية.. هندسة بصرية ساحرة

تتجسد العبقرية المعمارية في القبة من خلال مساحة داخلية مربعة يتوسطها الضريح الأثري، ويتم الدخول إليها عبر دركاة تتصل بالمدخل الرئيسي في الركن الغربي من الواجهة الجنوبية الغربية، وهو باب خشبي بسيط خالٍ من الزخارف.

ومن الخارج، ترتفع القبة بثلاث واجهات حرة شيدت بـ الحجر الفص المشغول تطل مباشرة على شارع سوق السلاح. وتتميز الواجهة الشمالية الشرقية "الرئيسية" بدخلتين رأسيتين يتوسط كلاً منهما شباك حجري بمصبعات معدنية.

وينبهر بدراستها مهندسو العمارة، حيث تتحول التغطية من البدن المربع إلى البدن الدائري عبر منطقة انتقال متميزة تتألف من مثلثات هرمية خُصصت لحمل خوذة القبة. ويفتح في الجزء السفلي من الخوذة ثماني نوافذ معقودة للإضاءة والتهوية، ليتوج قمتَها هلال نحاسي، أما القيمة البصرية الأهم، فتبدو في كسوتها الخارجية المكونة من بلاطات خزفية خضراء مربعة الشكل، مرتبة بدقة في ستة صفوف متتالية ومثبتة بمسامير حديدية في منتصف كل بلاطة.