لم تعد المسألة عقوبات على قاضٍ هنا أو مدعٍ هناك، بل قرارًا يستهدف المحكمة ذاتها كمؤسسة: حظر للتعامل المالي والتقني معها، وإدراج لاسمها في قوائم العقوبات، وتهديد معلن بتفكيكها «حجرًا حجرًا» ما لم تُنهِ ما تعده واشنطن تهديدًا لمواطنيها. وجاء القرار بعد ساعات قليلة من فوز قاضية سابقة في المحكمة بجائزة نوبل للسلام، في مشهد يكاد يلخص المعضلة كلها: عالم يكرّم العدالة الدولية صباحًا، وتُوجَّه إليها أقسى ضربة سياسية ومالية مساءً. فمن يحمي القضاء الدولي حين تتعارض قراراته مع مصالح القوى الكبرى؟ وهل تملك مؤسسة قضائية بلا جيش ولا شرطة ولا خزينة مستقلة أن تواصل عملها حين يُقطع عنها الهواء المالي؟
ما الذي حدث بالضبط؟
أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بوصفها مؤسسة، تتضمن حظر تعامل الكيانات الأمريكية معها، بما يشمل الخدمات المصرفية والبرمجيات وسائر السلع والخدمات. وقال إن الإجراء يهدف إلى «الدفاع عن السيادة الأمريكية»، مؤكدًا أن الرئيس ترامب «لن يسمح أبدًا» للمحكمة بمحاكمة أمريكيين، وأن بلاده «لا تحتاج هذه المحكمة ولا تريدها»، داعيًا الحلفاء الأعضاء في المحكمة إلى «كبح جماحها».
وأوضح روبيو أن العقوبات صيغت على نحو يمنح المحكمة ودولها الأعضاء، البالغ عددها 125 دولة، فرصة لمعالجة المخاوف الأمريكية. وبعد وقت قصير من الإعلان أصدرت وزارة الخزانة أربعة تراخيص عامة تتيح معاملات محددة، تشمل الاتصالات والبرمجيات ومدفوعات المعاشات والمعاملات المرتبطة بالمحتجزين لدى المحكمة.
من عقوبات الأفراد إلى عقوبة المؤسسة
الجديد في هذه الجولة ليس العداء الأمريكي للمحكمة، فهو قديم ومعلن، ولا العقوبات ذاتها، إذ سبق أن فُرضت عقوبات على مدعين وقضاة في المحكمة خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى، ثم رُفعت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وأُعيد إحياؤها بأمر تنفيذي في فبراير 2025 على خلفية مذكرات التوقيف الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين. الجديد هو نقل الاستهداف من الأشخاص إلى الكيان القضائي نفسه.
وهذا الفارق ليس شكليًّا. فالعقوبة على الأفراد تُعقّد حياة القاضي والمدعي، أما العقوبة على المؤسسة فتصيب البنية التي تقوم عليها القضية: الرواتب، والحسابات، وبرامج إدارة الأدلة والاتصالات، وعقود الموردين والخبراء. ومن هنا وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها «ضربة خطيرة» للسعي الجماعي نحو العدالة الجنائية الدولية، معربًا عن قلقه العميق من أثرها في قدرة المحكمة على مواصلة أداء ولاياتها. وحذر خبراء مستقلون في مجال حقوق الإنسان بالأمم المتحدة من أن الخطوة تمثل «محاولة متهورة» لتفكيك منظومة قانونية دولية جماعية وُضعت لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم.
الأثر الخفي.. حين تخشى البنوك غير الأمريكية
قد تبدو العقوبات الأمريكية شأنًا يخص الشركات الأمريكية وحدها، لكن تجربة العقوبات المالية تقول غير ذلك. فالخشية من فقدان الوصول إلى النظام المصرفي الأمريكي تدفع بنوكًا وشركات خارج الولايات المتحدة إلى تجنب التعامل مع الجهة المعاقَبة تحسّبًا لأي مساءلة، وهو ما تصفه منظمات حقوقية بـ«الأثر المثبّط». وبهذا المعنى لا تحتاج واشنطن إلى منع كل تعامل مع المحكمة، بل يكفي أن تتردد المؤسسات المالية في خدمتها.
وتبرز هنا مفارقة قانونية: المحكمة تقوم على معاهدة دولية صادقت عليها دول ذات سيادة، بينما تُدار عقوباتها المالية عبر نظام يتحكم فيه طرف واحد لم يصادق على تلك المعاهدة. وتجادل واشنطن بأن المحكمة لا اختصاص لها عليها لأنها ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، بينما تشير منظمات حقوقية إلى أن المحكمة لم تسعَ حتى الآن إلى محاكمة أي مواطن أمريكي. وكانت منظمات حقوقية قد رفعت في 11 أغسطس 2026 دعوى أمام القضاء الاتحادي الأمريكي للطعن في أساس النظام الذي استُخدم سابقًا في العقوبات الشاملة، ما يعني أن المعركة ستمتد إلى ساحات القضاء الأمريكي ذاته.
توقيت يحمل رسالة
تزامن القرار مع منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي عملت قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة بين 2003 و2008. وانتقد روبيو بيلاي لمشاركتها في لجنة اتهمت إسرائيل وحماس بارتكاب جرائم حرب. وسواء اعتُبر التزامن مصادفة أم رسالة، فإنه نقل الجدل من إطار قانوني تقني إلى مواجهة رمزية بين رؤيتين: رؤية ترى العدالة الدولية أداة للمحاسبة بغض النظر عن هوية المتهم، ورؤية ترى فيها تهديدًا للسيادة الوطنية للقوى الكبرى.
اختبار الحلفاء.. وحدود التضامن
الأخطر على المحكمة ليس العقوبات وحدها، بل ما يتبعها من ضغط على الدول الأعضاء. فقد دعا روبيو الحلفاء إلى الانضمام إلى الموقف الأمريكي، وسبق أن حثت واشنطن دولًا على الانسحاب من المحكمة، ملمّحة إلى أنها ستقيّم علاقة الحلفاء بالمحكمة عند تحديد المساعدات الخارجية. ويأتي ذلك في عام شهد انسحاب عدد من الدول من المحكمة، من بينها فنزويلا وتشاد، وأعلنت دولة ناورو أخيرًا عزمها الانسحاب كذلك.
ووفق تقييم تناقلته الأوساط الدبلوماسية، تضع الخطوة واشنطن على مسار تصادم مع حلفائها الأوروبيين، وهم من أبرز داعمي المحكمة سياسيًّا وماليًّا. وهنا يتحدد المحك الحقيقي: هل يكتفي هؤلاء الحلفاء ببيانات التنديد، أم يلجأون إلى إجراءات عملية تحمي المحكمة، مثل ترتيبات مصرفية وتقنية بديلة وآليات حماية قانونية للشركات المتعاملة معها؟ فالتضامن الذي لا يترجم إلى حماية مالية فعلية يبقى موقفًا أخلاقيًّا لا يطعم محكمة ولا يدفع رواتب.
البعد الفلسطيني.. لماذا يعنينا؟
لا يمكن فصل هذه المواجهة عن ملف غزة، فالمحكمة أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن جرائم حرب مزعومة في القطاع، وأخرى بحق قيادي في حماس، وهو ما كان في صلب الغضب الأمريكي والإسرائيلي من المحكمة. وبالنسبة إلى المنطقة العربية، يعني الاختبار الراهن أكثر من مسألة قانونية مجردة: هل يبقى مسار المساءلة عن الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية ممكنًا من الناحية العملية، أم تُخنق أدواته قبل أن يُستكمل؟
من يحمي القضاء الدولي؟
الجواب القانوني بسيط: الدول الأطراف في نظام روما الأساسي. أما الجواب العملي فمعقد. فالمحكمة لا تملك قوة تنفيذ، وتعتمد على تعاون الدول في القبض والتسليم والتمويل، وهي اليوم تواجه ضغطًا من دولة كبرى لا تعترف بها ومن شبكة مالية عالمية يصعب أن تتحدى تلك الدولة. وهكذا يتحول سؤال «استقلال القضاء الدولي» من سؤال عن نزاهة القضاة إلى سؤال عن البنية التحتية التي تجعل الاستقلال ممكنًا: التمويل والاتصالات والبرمجيات والحماية القانونية للمتعاملين.
