تعود مدينة الجونة لاستقبال أسبوع الجونة للصورة في دورته الثانية خلال ديسمبر المقبل، ببرنامج فني وثقافي يستعيد محطات بارزة من تاريخ الموسيقى والسينما المصرية، ويفتح أرشيف الصور أمام الجمهور لاكتشاف حكايات فنية وإنسانية احتفظت بها عدسات المصورين عبر عقود طويلة.

وتأتي الدورة الجديدة لتمنح الصورة الفوتوغرافية دورًا يتجاوز التوثيق التقليدي، لتصبح وسيلة لاستعادة الذاكرة الثقافية وإعادة قراءة تاريخ الفن من زوايا مختلفة.

ويجمع البرنامج مجموعة من المعارض التي تتنوع موضوعاتها بين الموسيقى والسينما والتراث والحياة اليومية، في تجربة تربط الصور القديمة بالرؤى الفنية المعاصرة، وتتيح للزائر الاقتراب من شخصيات وأماكن ولحظات شكلت جزءًا من الوجدان المصري والعربي.

ومن بين أبرز محطات البرنامج معرض «أم كلثوم في باريس»، الذي يستعيد حضور كوكب الشرق على المسارح الفرنسية، ومعرض يستعرض أرشيف ستوديو محمد بكر، بما يحمله من توثيق بصري يمتد لنحو 70 عامًا من تاريخ السينما المصرية.

وتنظم مؤسسة فوتوبيا الدورة الجديدة بعد نجاح النسخة الأولى التي انطلقت عام 2022، لتعود الفعالية إلى الجونة بعد أربع سنوات، بمشاركة صناع الصورة والفنانين والمهتمين بفنون التصوير من مصر وعدد من الدول، من بينها فرنسا وإيطاليا وإنجلترا والسعودية.

وتستهدف هذه الدورة توفير مساحة تجمع أصحاب الخبرات والمواهب الصاعدة، وتمنحهم فرصًا لعرض أعمالهم وتبادل التجارب والتواصل مع العاملين في الصناعات الإبداعية.

«أم كلثوم في باريس».. حكايات كوكب الشرق بعدسة المصورين

يحتل معرض «أم كلثوم في باريس» مكانة بارزة ضمن فعاليات الأسبوع، إذ يعيد تقديم جانب من مسيرة أم كلثوم الفنية من خلال صور توثق الحفلات التي أحيتها في العاصمة الفرنسية، وتلتقط لحظات من حضورها على المسرح وتفاعل الجمهور معها، لتقدم للزوار تجربة بصرية تستعيد أجواء تلك اللقاءات الفنية.

ولا تقتصر أهمية المعرض على استعادة صور من حفلات كوكب الشرق، بل تمتد إلى إتاحة قراءة مختلفة لعلاقتها بالجمهور خارج العالم العربي، وكيف وثقت عدسات المصورين لحظات من حضورها الفني في باريس.

وتتحول الصور المعروضة إلى وثائق بصرية تحفظ تفاصيل من تاريخ الموسيقى العربية، وتعيد إحياء لحظات فنية يصعب استحضار أجوائها كاملة من خلال التسجيلات وحدها.

ويقدم المعرض فرصة للأجيال الجديدة للتعرف على جانب من إرث أم كلثوم من خلال الصورة، بما تحمله من تفاصيل تتعلق بالمسرح والحضور الجماهيري والأجواء المحيطة بالحفلات.

كما يسلط الضوء على أهمية الأرشيف الفوتوغرافي في الحفاظ على الذاكرة الموسيقية، إذ لا تقتصر وظيفة الصورة على تسجيل حدث مضى، وإنما تمتد إلى توثيق علاقات الفنانين بجمهورهم والسياقات الثقافية التي أحاطت بتجاربهم.

وفي هذا السياق، قالت مروة أبو ليلة، المدير التنفيذي لأسبوع الجونة للصورة والشريكة المؤسسة والمديرة التنفيذية لفوتوبيا، إن اختيار الموسيقى والفن ضمن موضوعات المعارض يأتي انطلاقًا من قدرة الصور على إعادة تقديم الشخصيات التي تركت أثرًا في وجدان الجمهور، وفتح حوار جديد حول إرثها الثقافي.

70 عامًا من تاريخ السينما المصرية في أرشيف محمد بكر

ويمتد البرنامج إلى ذاكرة السينما المصرية من خلال معرض يستعرض أعمال ستوديو محمد بكر، ويجمع بين أرشيف المصور محمد بكر وأعمال والده المصور الراحل حسين بكر، في تجربة توثيقية تمتد لنحو سبعة عقود، وتحفظ جانبًا من تاريخ الأفلام ونجوم الفن واللحظات البارزة في صناعة السينما المصرية.

ويتيح المعرض للجمهور اكتشاف جانب من التراث البصري الذي تكون عبر أجيال من التصوير السينمائي، من خلال صور توثق عددًا كبيرًا من الأعمال السينمائية ونجوم الفن، وتقدم نافذة على مراحل مختلفة من تاريخ الشاشة المصرية.

وتكتسب هذه الأعمال أهميتها من قدرتها على الاحتفاظ بتفاصيل لا تقتصر على صور الفنانين، بل تشمل جوانب من الذاكرة الفنية التي ارتبطت بالأفلام وصناعتها والوجوه التي صنعت حضورها لدى الجمهور.

ويكشف امتداد الأرشيف عبر أجيال عن الدور الذي لعبه المصورون في تسجيل تطور المشهد السينمائي، وحفظ ملامح نجومه ولحظاته الفارقة. فالصورة الفوتوغرافية لا تمثل مجرد مادة مصاحبة للفيلم أو وسيلة للدعاية له، بل قد تتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة تاريخية تساعد في استعادة ملامح مرحلة كاملة من الحياة الفنية، وتمنح الباحثين والجمهور فرصة للتعرف على تفاصيل من تاريخ الصناعة وذاكرتها.

وتكتسب هذه التجربة أهمية إضافية مع عرض أرشيف يمتد لنحو 70 عامًا، بما يسمح بالتوقف أمام العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي وتوثيق الفن السابع، وكيف احتفظت الصور بملامح وأعمال أصبحت جزءًا من تاريخ السينما المصرية.

ومن خلال هذا المعرض، يلتقي إرث المصورين بفضول الجمهور الراغب في اكتشاف ما وراء الصور والوجوه التي ارتبطت بأعمال فنية راسخة في الذاكرة.

وأكدت مروة أبو ليلة أن الصورة تمتلك قدرة استثنائية على الاحتفاظ بالتفاصيل التي قد تنساها الذاكرة، وإعادة تقديم التاريخ من خلال لحظات إنسانية صغيرة.

وأوضحت أن المعارض تستهدف إتاحة الفرصة أمام الجمهور لاكتشاف حكايات مصرية وعربية وعالمية، وفتح مساحة للحوار بين الذاكرة والتراث والرؤى الفنية المعاصرة، مع إبراز دور الفوتوغرافيا في توثيق الهوية الثقافية وربط الأجيال المختلفة بذاكرة الفن والمجتمع.

الجونة تعيد الصورة إلى صدارة المشهد الثقافي

ومن المقرر إقامة أسبوع الجونة للصورة خلال الفترة من 4 إلى 12 ديسمبر 2026، بمشاركة فنانين ومصورين ومهتمين بفنون الصورة من مصر وخارجها، في إطار يسعى إلى تعزيز تبادل الخبرات وإتاحة مساحة لعرض الأعمال والتواصل بين المحترفين والمواهب الصاعدة.

وتعكس عودة الفعالية بعد أربع سنوات توجهًا إلى توسيع مساحة الفوتوغرافيا داخل المشهد الثقافي، باعتبارها وسيلة تجمع بين الفن والتوثيق والسرد البصري. فالمعارض لا تقدم الصور باعتبارها مشاهد منفصلة من الماضي، وإنما تضعها في سياق يسمح بإعادة اكتشاف قصص الأشخاص والأماكن والأحداث التي احتفظت بها العدسات، ويمنح الجمهور فرصة للتفاعل مع الذاكرة الفنية بصورة مباشرة.

ومن خلال الجمع بين أرشيف أم كلثوم في باريس وذاكرة السينما المصرية عبر أعمال محمد بكر ووالده، يطرح البرنامج صورة متعددة الأبعاد للتراث الفني، تمتد من الموسيقى إلى الشاشة الكبيرة، ومن لحظات الحضور الجماهيري إلى تفاصيل صناعة الفن ونجومه.

ويمنح ذلك الزائر فرصة لاكتشاف كيف يمكن للصورة أن تحفظ التاريخ وتعيد روايته، وتربط بين الأجيال عبر حكايات بقيت حية في الأرشيف.