لم تعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط مقتصرة على المواجهات العسكرية واضطراب الأوضاع الأمنية، بل امتدت لتضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب، مع تهديد إمدادات الطاقة وتعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز، بما يفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم وتراجع النمو وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي تحذير يعكس حجم المخاطر، رسم صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد العالمي، ترتبط بمدة الصراع وحجم الأضرار التي تلحق بمنشآت الطاقة وسرعة استعادة الإمدادات، مشيرًا إلى أن استمرار الاضطرابات قد يدفع النمو العالمي إلى 2% خلال عامي 2026 و2027، بينما يتجاوز التضخم 6% في السيناريو الأكثر حدة.

ووفقًا لمقال نشره بيير أوليفييه غورينشا عبر مدونة صندوق النقد الدولي في 14 أبريل 2026، فإن الحرب أوقفت الزخم الذي كان يدعم الاقتصاد العالمي، بعدما كانت التوقعات تشير إلى نمو بنسبة 4.3% خلال العام، مدفوعًا بتحسن الإنتاجية والطفرة التكنولوجية وقدرة الشركات على التكيف مع اضطرابات التجارة.

لكن إغلاق مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بمنشآت حيوية في منطقة رئيسية لإمدادات الطاقة أعادا المخاطر إلى صدارة المشهد، وسط مخاوف من تحول اضطرابات الطاقة إلى أزمة اقتصادية ممتدة تتجاوز حدود المنطقة.

3 سيناريوهات ترسم مستقبل النمو والتضخم

حدد صندوق النقد الدولي ثلاثة مسارات محتملة لتداعيات الحرب، أولها السيناريو الأساسي الذي يفترض أن الصراع سيكون قصير الأجل، مع ارتفاع أسعار سلع الطاقة بنسبة 19% خلال 2026، وهو ما قد يخفض النمو العالمي إلى 3.1% ويرفع التضخم إلى 4.4%.

أما السيناريو الثاني، فيفترض ارتفاعًا أكبر في أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية، بما قد يدفع النمو إلى 2.5%، ويرفع التضخم إلى 5.4%.

وفي السيناريو الأكثر حدة، تمتد اضطرابات إمدادات الطاقة إلى العام المقبل، وتتراجع قدرة الأسواق على احتواء التضخم، ليهبط النمو العالمي إلى 2% خلال عامي 2026 و2027، بينما يتجاوز التضخم 6%.

وتعكس هذه التقديرات أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو تعرض منشآت الحفر والتكرير لمزيد من الأضرار قد يؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد، تجعل تعافي الأسواق أكثر صعوبة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

من أسعار الطاقة إلى تكلفة المعيشة.. كيف تنتقل الأزمة؟

تنتقل آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي عبر ثلاث قنوات رئيسية، تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأولية، بما يزيد تكاليف الإنتاج والنقل ويعطل سلاسل الإمداد، وينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للمستهلكين.

وتتمثل القناة الثانية في احتمالات انتقال الزيادة إلى الأجور والأسعار، مع سعي العاملين لتعويض ارتفاع تكاليف المعيشة ومحاولة الشركات تمرير نفقات الإنتاج إلى المستهلكين، وهو ما قد يؤدي إلى دوامة من ارتفاع الأجور والأسعار تجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.

أما القناة الثالثة فتتعلق بالأسواق المالية، إذ قد تدفع المخاطر المتزايدة المستثمرين إلى إعادة تقييم الأصول، وتؤدي إلى تراجع الاستثمارات وارتفاع علاوات المخاطر وخروج رؤوس الأموال من بعض الأسواق، بالتزامن مع صعود الدولار وتشديد الأوضاع المالية.

ولا تتوزع الخسائر بالتساوي بين الدول، فالاقتصادات المستوردة للطاقة، خاصة منخفضة الدخل والنامية، تواجه مخاطر أكبر بسبب ارتفاع فاتورة الواردات ومحدودية الاحتياطيات. كما أن الدول المصدرة للطاقة في الخليج قد تتضرر من تعطل الإنتاج وتضرر البنية التحتية والقيود على التصدير، إلى جانب تراجع السياحة وأنشطة الأعمال.

هل تتكرر أزمة التضخم التي شهدها العالم في 2022؟

استعاد صندوق النقد الدولي تجربة عام 2022، عندما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار السلع الأولية وصعود التضخم العالمي إلى مستويات مرتفعة، قبل أن تنجح البنوك المركزية في احتوائه دون حدوث ركود اقتصادي عالمي.

لكن الصندوق يرى أن تكرار النتيجة نفسها ليس مضمونًا، لأن الأزمة السابقة تركت آثارًا مستمرة على تكلفة المعيشة، وجعلت الأسر والشركات أكثر حساسية تجاه أي زيادات جديدة في الأسعار.

كما أن خفض التضخم قد يكون أكثر تكلفة هذه المرة، في ظل تغير طبيعة العرض الاقتصادي، وهو ما يرفع احتمالات تحمل الاقتصادات خسائر أكبر في الإنتاج والنشاط إذا اضطرت البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية.

تحذير من الدعم العشوائي.. وخيارات صعبة أمام الحكومات

دعا صندوق النقد الدولي إلى إنهاء الحرب مبكرًا وإعادة فتح مضيق هرمز باعتبارهما الخطوتين الأكثر فاعلية للحد من الخسائر الاقتصادية.

وعلى مستوى السياسة النقدية، أوضح أن البنوك المركزية يمكنها التعامل بحذر مع الارتفاع المؤقت في أسعار الطاقة إذا ظلت توقعات التضخم مستقرة، لكن استمرار ارتفاع الأسعار والأجور قد يستدعي تشديدًا نقديًا سريعًا لمنع تحول الصدمة إلى موجة تضخمية ممتدة.

أما ماليًا، فحذر الصندوق من التوسع في الدعم العام وفرض حدود قصوى للأسعار، بسبب تكلفتها المرتفعة واحتمالات تأثيرها السلبي على الأسواق، داعيًا إلى توجيه المساعدات بصورة مباشرة ومؤقتة إلى الأسر والشركات الأكثر تضررًا.

وأكد أهمية الحفاظ على الإشارات السعرية التي تشجع على ترشيد الاستهلاك وزيادة المعروض، محذرًا من أن قيود الأسعار والتصدير قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفاقم الاختلالات في الأسواق.

أمن الطاقة والتكنولوجيا.. تحديات ما بعد الحرب

لا تقتصر تداعيات الأزمة على المدى القريب، إذ يرى صندوق النقد الدولي أن التوترات الجيوسياسية والقيود التجارية تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي، وتفرض على الدول تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات بدلًا من الاكتفاء بالتكيف معها.

وفي هذا السياق، شدد على أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والمهارات اللازمة لمواكبة التحولات في سوق العمل، إلى جانب تسريع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الإمدادات المعرضة للمخاطر الجيوسياسية.

وتكشف تحذيرات الصندوق أن مستقبل الاقتصاد العالمي سيظل مرتبطًا بمدة الحرب وقدرة الدول على استعادة تدفقات الطاقة والتجارة، فضلًا عن كفاءة السياسات المتبعة لاحتواء التضخم وحماية الفئات الأكثر تضررًا، حتى لا تتحول أزمة إقليمية إلى موجة اضطرابات اقتصادية عالمية طويلة الأمد.