تدفقت حشود من الفلسطينيين  نحو شمال قطاع غزة، سيرًا على الأقدام أو عبر السيارات والعربات، عائدين إلى منازلهم المهدمة بعد عامين من الحرب، وسط حالة من الصدمة والذهول أمام حجم الدمار الذي خلفته المعارك، في مقابل ارتياح آخرين لبقاء منازلهم قائمة. وتأتي هذه العودة في اليوم الثاني من وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، الذي صمد حتى الآن رغم هشاشته.

وقال محمد المغيّر، المسؤول في الدفاع المدني بغزة، إن نحو 50 ألف فلسطيني عادوا إلى مدينة غزة اليوم، ليرتفع العدد الإجمالي للعائدين منذ يوم الجمعة إلى نحو 250 ألفًا، مضيفًا أن اتفاق الهدنة ينص على دخول مئات الشاحنات يوميًا محمّلة بالمساعدات الغذائية والطبية إلى القطاع.

بنود الاتفاق وتراجع القوات الإسرائيلية

وينص اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية واقتراح من الرئيس دونالد ترامب، على أن تفرج حماس عن 47 رهينة – أحياء وأموات – من أصل 251، مقابل إطلاق إسرائيل سراح 250 أسيرًا فلسطينيًا محكومين بالمؤبد و1700 معتقل من سكان غزة.

وبموجب المرحلة الأولى من الاتفاق، أعادت القوات الإسرائيلية انتشارها خارج المناطق الحضرية في غزة، لكنها ما زالت تسيطر على نحو نصف مساحة القطاع. وأكدت مصادر عسكرية إسرائيلية أن عملية الانسحاب اكتملت يوم الجمعة، إيذانًا ببدء العد التنازلي لتسليم الرهائن خلال 72 ساعة.

ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر أمني قوله إن مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، زار غزة صباح اليوم لمتابعة إعادة الانتشار، برفقة الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الذي أعلن أن واشنطن لن تنشر قواتها داخل القطاع، بل ستقود قوة مهام دولية لدعم جهود الاستقرار.

قوة مراقبة متعددة الجنسيات

وبدأت إسرائيل تنفيذ عملية انتشار محدودة لنحو 200 جندي أمريكي على أراضيها، لمراقبة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار. وسيتولى الجيش الأمريكي تنسيق مهام قوة متعددة الجنسيات من المتوقع أن تضم وحدات من مصر وقطر وتركيا والإمارات، إلى جانب منظمات إنسانية.

وأوضح مسؤولون أمريكيون أن القيادة المركزية ستقيم مركز تنسيق مدني-عسكري في إسرائيل لتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية واللوجستية إلى غزة، بعد أن دمرت الحرب البنية التحتية الأساسية للقطاع. كما أكد الأدميرال كوبر أن هذه الجهود ستُنفذ "من دون نشر قوات أمريكية على الأرض في غزة"، مشددًا على أن الهدف هو إرساء الاستقرار بعد النزاع.

خطة ترامب للسلام ودور واشنطن

في مقابلة تلفزيونية مع محطة فوكس نيوز، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده ستكون "جزءًا من عملية الحفاظ على السلام في غزة"، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة إعمار شاملة بمشاركة دول عربية تمتلك إمكانات مالية ضخمة، مشيرًا إلى أن الرهائن سيُفرج عنهم يوم الاثنين.

وقال ترامب إن ما تحقق "إنجاز تاريخي لإسرائيل والدول العربية والولايات المتحدة"، معربًا عن أمله في أن تكون إيران جزءًا من عملية السلام الأوسع في الشرق الأوسط. كما أشار إلى أنه قد يلقي خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي قريبًا، مضيفًا: "إنه يوم عظيم لإسرائيل وللعالم، وما تم التوصل إليه يمثل سلامًا حقيقيًا في الشرق الأوسط".

نشاط إنساني واستمرار عمليات الإغاثة

في سياق متصل، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن "مؤسسة غزة الإنسانية"، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تواصل عملياتها دون انقطاع رغم المفاوضات الجارية، وتستعد لإقامة موقع جديد لتوزيع المساعدات في شمال القطاع. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن المؤسسة لم تتلق أي أوامر بتقليص عملياتها، وأن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تحتاج إلى وقت لإعادة تشغيل شبكاتها الإغاثية التي تضررت بفعل الحرب.

كما أكد السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، أنه "لا نية لإغلاق مؤسسة غزة الإنسانية"، مشيرًا إلى أن الخطة الأمريكية تركز على دعم الاستقرار والإغاثة دون تدخل عسكري مباشر.

الموقف الفلسطيني: الحاجة لتوضيحات وضمانات

من جانبه، قال الدكتور عمر عوض الله، وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، إن الخطة الأمريكية "تحتاج إلى كثير من التوضيحات العملية"، خصوصًا فيما يتعلق بآليات التنفيذ والجداول الزمنية لمراحلها. وأكد أن أي مبادرة سياسية لن تنجح إلا إذا ارتبطت بـ"القضايا الجوهرية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي"، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين.

وأوضح عوض الله، في مداخلة مع قناة القاهرة الإخبارية، أن الزخم الدولي الحالي الداعم للقضية الفلسطينية، ولا سيما بعد إعلان نيويورك واعتراف عدد متزايد من الدول بدولة فلسطين، يمثل فرصة تاريخية يجب استثمارها سياسيًا.

وختم بالقول إن الدعم الدولي "ينبغي أن يُترجم إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض"، مؤكّدًا أن الشعب الفلسطيني "يتطلع إلى سلام عادل لا يُفرض عليه، بل ينبع من إرادته وحقوقه المشروعة".