لطالما تجاوزت كرة القدم في مصر كونها مجرد لعبة، لتصبح قوة ناعمة هائلة قادرة على توحيد الصفوف داخليًا وتعزيز الصورة الذهنية للدولة على الساحة الدولية، لذا، فإن تأهل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم 2026، المقرر إقامتها في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لا يمثل إنجازًا رياضيًا عابرًا، بل هو حدث ذو أهمية سياسية واستراتيجية كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي.

نجاح "الفراعنة" يتسبب في اتحاد ملايين المصريين، بمختلف انتماءاتهم، خلف علم واحد وهدف مشترك، هذه اللحمة الوطنية العابرة للأيديولوجيات تشكل رصيدًا سياسيًا مهمًا للدولة.

وايضًا الانتصار في مجال يهتم به الجميع يوفر جرعة هائلة من الفخر الوطني والسعادة الجماعية، وقد أشادت القيادة السياسية بهذا الإنجاز، مؤكدة أنه يعكس روح الإصرار والعمل الجاد، وهنأ الرئيس عبدالفتاح السيسي اللاعبين والجهاز الفني.

النجاح الرياضي يمكن توظيفه سياسيًا لربطه بقصص النجاح على مستوى الدولة، ودعم مشاريع التنمية الكبرى، وإبراز صورة الدولة ككيان يسير بخطى ثابتة نحو التقدم والإنجاز، على حد تعبير المسؤولين.

على الصعيد الخارجي، يُعد التأهل إلى المونديال فرصة ذهبية لتعزيز مكانة مصر الدولية في إطار الدبلوماسية الرياضية فـ المشاركة في أكبر حدث رياضي عالمي يضمن لمصر تواجدًا إعلاميًا مكثفًا ومجانيًا على مدى أسابيع، هذا التواجد يتيح فرصة لـ "تسويق" الهوية الوطنية المصرية، وعرض وجهها الحضاري وثقافتها الغنية، بعيدًا عن الصور النمطية السلبية التي قد تروجها بعض وسائل الإعلام الدولية.

​وترفع المشاركة من أسهم مصر كـ "قائدة رياضية" على الصعيدين الأفريقي والعربي، خاصة وأن مصر هي أول بلد عربي وأفريقي يشارك في المونديال (عام 1934).. هذا الدور الريادي يخدم أهداف السياسة الخارجية المصرية في إفريقيا والمنطقة.

كما أن الأضواء العالمية المسلطة على المنتخب المصري ونجمه العالمي، محمد صلاح، تعمل كأفضل حملة ترويجية للسياحة والاستثمار، فـ ظهور أسم مصر وعلمها على أكبر الشاشات يفتح قنوات اتصال جديدة مع الجمهور العالمي، ويزيد من اهتمام الشركات العالمية الراغبة في ضخ استثمارات أو استضافة معسكرات رياضية في البلاد.

لا يمكن النظر إلى تأهل مصر لكأس العالم 2026 بمعزل عن سياقه السياسي والاجتماعي، إنه أداة قوة ناعمة بامتياز، تساهم في تثبيت الاستقرار الداخلي عبر الوحدة العاطفية، وتعمل على تحسين السمعة الدولية والدفع بملف الدبلوماسية العامة المصرية نحو آفاق أرحب، إنه نصر عابر للقارات يخدم هدف الدولة الأسمى وتعزيز مكانة مصر وريادتها عالميًا.