يستعد العالم لموعد استثنائي في يوم السبت المقبل الأول من نوفمبر ٢٠٢٥ ، حيث يُنتظر الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة. هذا الحدث ليس مجرد تدشين لمبنى، بل يمثل نقطة تحول كبرى لقطاع السياحة في مصر.

تُشير تقديرات وزارة السياحة والآثار إلى أن المتحف، الذي وصفه دليل السفر العالمي الشهير "لونلي بلاني" بأنه "أكبر مجمع متاحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة"، من المتوقع أن يجذب ما لا يقل عن 5 ملايين زائر سنويًا.

لماذا يُعد المتحف المصري الكبير حدثًا "استثنائيًا"؟

يؤكد محمد مندور، مستشار وزير الثقافة الأسبق والباحث في التراث، أن افتتاح المتحف المصري الكبير هو "ميلاد مؤسسة ثقافية تجمع بين عبق التاريخ وروح المستقبل".

* أكبر متحف لحضارة واحدة: يضم المتحف أكثر من 57 ألف قطعة أثرية، مغطيًا تاريخًا يمتد من 700 ألف سنة قبل الميلاد حتى 394 ميلادية.

* عرض كنوز توت عنخ آمون كاملة: لأول مرة في التاريخ، سيتم عرض المجموعة الكاملة للملك الذهبي توت عنخ آمون في موقع واحد، باستخدام أحدث تقنيات العرض التي تمنح الزائر تجربة تجمع بين الدهشة والمعرفة.

* مؤسسة علمية عالمية: لا يقتصر دوره على العرض، بل يضم مركزًا للترميم والدراسات الأثرية هو الأكبر عالميًا، مما يجعله محورًا للتعاون الأكاديمي والبحث العلمي في مجال علم المصريات.

كيف تحوّل مصر "المتحف المصري الكبير" إلى حملة ترويجية مستدامة؟

السؤال المحوري الذي يطرحه الخبراء هو: كيف تستغل مصر هذا الحدث لـ الترويج عالميًا للسياحة المصرية، وتعزيز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي؟

محمد مندور والدكتورة رانيا ممتاز، أستاذة الآثار وصيانة التراث بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة، يقدمان خريطة طريق متكاملة لاستراتيجية الترويج:

1. استراتيجية "تسويق التجربة الغامرة" (Experience Marketing):

تؤكد د. رانيا ممتاز على تحويل الزيارة من مجرد جولة أثرية إلى "رحلة شاملة للزمن والعلم والهوية المصرية"، عبر:

* بوابة الزمن والتفاعل الرقمي: استخدام الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) ليَعيش السائح مشاهد بناء الأهرام أو طقوس المعابد، مع تذكرة ذكية لتخزين القطع المفضلة في "معرضه الافتراضي الشخصي".

* التجربة الحسية الكاملة: دمج الإضاءة، الموسيقى المصرية القديمة، وحتى الروائح، لإحداث تجربة حسية غامرة تربط بين الصوت والضوء والرائحة والتاريخ.

* منطقة الحرف والفنون الحية: إتاحة ورش عمل لصناعة البردي وصياغة الحلي، وتمكين السائح من صنع تذكار يحمل اسمه بالهيروغليفية لـ "تجربة لا تنسى".

2. دمج المتحف في "الخريطة السياحية الكبرى":

يشدد مندور على ربط المتحف بـ "برامج سياحية متكاملة" تشمل:

* مثلث الثقافة الذهبي: المتحف المصري الكبير، أهرامات الجيزة، ومتحف الحضارة.

* الربط الذكي: توفير تذاكر موحدة ووسائل نقل "خضراء" تربط المواقع، وتطبيق ذكي يربط المعروضات داخل المتحف بنظيراتها في المواقع الأثرية (مثل ربط تمثال خفرع بموقعه الأصلي).

3. الدبلوماسية الثقافية ومهرجانات التراث:

* الترويج بالخارج: استخدام السفارات المصرية كـ "بوستر ثقافي" عبر معارض متنقلة وصور تفاعلية ثلاثية الأبعاد.

* مهرجان الحضارة السنوي: إطلاق فعالية عالمية سنوية في ساحة المتحف (ضوء، موسيقى، مسرح) لجعله "منصة للحوار الثقافي العالمي".

* سياحة التعليم والمشاركة المجتمعية: تنظيم رحلات تعليمية للجامعات والمدارس الدولية، وإتاحة "سياحة المشاركة المجتمعية" عبر زيارة القرى التراثية كنزلة السمان وتجربة الحياة المحلية.

"قاطرة اقتصادية" ومحرك للنمو: توقعات الأرقام الكبرى 

يُعد المتحف المصري الكبير مشروعًا استراتيجيًا يهدف إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي، حيث يساهم قطاع السياحة حاليًا بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر نحو 3 ملايين فرصة عمل.

الدكتور علي عبد الله، الباحث في الدراسات السياحية، يرى أن المتحف يمثل "نقطة انطلاق جديدة" لصناعة السياحة:

* زيادة السياح والإنفاق: توقعات بزيادة أعداد السياح بنسبة تتراوح بين 20 و 25% بحلول 2026. كما سيؤدي إلى ارتفاع متوسط إنفاق السائح الواحد من 1100 دولار إلى أكثر من 1300 دولار.

* قفزة في العائدات: من المتوقع أن يساهم الافتتاح في رفع العوائد السياحية إلى أكثر من 22 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2026 (مقارنة بـ 16.7 مليار دولار حاليًا).

* خلق فرص عمل هائلة: من المتوقع خلق ما يزيد على 200 ألف فرصة عمل جديدة في قطاعات النقل، الفندقة، الإرشاد السياحي، والخدمات اللوجستية.

* جذب استثمارات ضخمة: تحفيز استثمارات تفوق 5 مليارات دولار في المنطقة المحيطة بالمتحف، مما يعزز مكانة مصر كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار.

وتوقعت وكالة "فيتش" أن عدد السياح الوافدين إلى مصر سيصل إلى نحو 17.76 مليون سائح مع نهاية عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 13.12% مقارنةً بـ 15.7 مليون سائح في عام 2024.

وأكملت وكالة"فيتش" أن العدد قد يرتفع بنسبة 4.5% ليبلغ 18.56 مليون سائح في عام 2026، وعلى المدى المتوسط (2025– 2029)، من المرجح أن يسجل قطاع السياحة نموًا سنويًّا متوسطًا قدره 5.7% ليصل إلى نحو 20.65 مليون سائح بحلول عام 2029.

كما توقعت الوكالة أن تنعكس هذه الزيادة في حركة السياحة الدولية على العائدات، لتبلغ 17.1 مليار دولار أمريكي في عام 2025، وترتفع إلى نحو 19 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، مشيرة إلى أن الافتتاح الكامل للمتحف المصري الكبير سيشكل دفعة قوية لقطاع السياحة في مصر خاصة وأنه يعد أكبر متحف في العالم مخصصًا لحضارة واحدة مع توقعات باستقباله نحو 5 ملايين زائر سنويًا.

يختتم الدكتور مندور حديثه مؤكدًا أن المتحف المصري الكبير "ليس نهاية مشروع، بل بداية مشروع اقتصادي ضخم يدر دخل كبير على الاقتصاد المصري، ويحافظ على مجد مصر كـ مورد اقتصادي وثقافي مستمر للأجيال القادمة".