لا يقتصر سحر "كوكب الشرق"، السيدة أم كلثوم، على الطرب والأغنية فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب خفية ومدهشة من حياتها، لعل أبرزها علاقتها بالرياضة، التي لم تكن مجرد متابعة عابرة، بل شغفًا وحبًا تجاوز حدود المشجع إلى المساهم الفعّال والناشط في ساحتها، خاصة كرة القدم، والنادي الأهلي تحديدًا، تُعد قصة أم كلثوم والرياضة فصلاً مضيئًا يضاف إلى سيرتها، ويكشف عن جانب إنساني ووطني في شخصيتها.
تُشير العديد من المصادر والمرويات إلى أن أم كلثوم كانت أهلاوية الهوى والانتماء، هذا العشق لم يكن سرًا، وقد أعلنت عنه هي نفسها في حوارات متفرقة، بل إن علاقتها بالنادي الأهلي تمتد إلى بدايات تاريخية، حيث مُنحت أول عضوية لسيدة في النادي عام 1916، ثم العضوية الشرفية الدائمة مدى الحياة عام 1953.
لم يقتصر دعم "الست" للنادي على التشجيع وحضور المباريات - كما تُظهر صور نادرة لها وهي تشاهد مباراة لكرة القدم بين مصر والمجر عام 1948 - بل تعداه إلى الدعم المادي والمعنوي الفعّال، من أشهر قصص هذا الدعم هي مشاركتها في إنقاذ النادي الأهلي من أزمة مالية خانقة في إحدى الفترات، حيث أحيت حفلًا غنائيًا كبيرًا وتنازلت عن أجرها بالكامل لجمع التبرعات، وتقديرًا لدورها، أقام النادي مدرجًا كبيرًا في ملعب الكرة أُطلق عليه اسم "مدرج أم كلثوم"، واحتفلت هي بافتتاحه ووضعت شعار النادي الذهبي على صدرها وهي تُغني.
لعل الجانب الأكثر إثارة في علاقة أم كلثوم بالرياضة هو انخراطها العملي في قوانينها وميدانها، ففي واقعة فريدة من نوعها، تطوعت أم كلثوم لتحكيم مباراة كرة قدم نسائية داخل النادي الأهلي عام 1963، لتصبح بذلك أول سيدة "حكم" لمباراة كرة قدم في تاريخ مصر، هذا الأمر يكشف عن عمق معرفتها بالقوانين الرياضية ورغبتها في التفاعل المباشر مع اللعبة.
بل إن طموح "الست" في المجال الرياضي وصل إلى ذروته عندما سألها الفنان سمير صبري عما تتمناه، فأجابت بتلقائية: "نفسي أبقى حارس مرمى النادي الأهلي عشان أحميه!"، وهي إجابة لا تخلوا من دلالة وطنية ورمزية على دورها كصوت يحمي ويُناصر وطنه.
لم تكن علاقة أم كلثوم بالرياضة تقتصر على كرة القدم والأندية الكبرى فحسب، بل كانت ممارسة شخصية للحفاظ على لياقتها وصحتها، فقد صرّحت "الست" في أحد حواراتها التليفزيونية عن أهمية المشي في حياتها، قائلة: "بتمشى كل يوم ساعة ولا أستطيع الأكل حتى الشبع".. هذا الاهتمام بالمشي يعكس وعيها بأهمية الرياضة للحفاظ على صوتها وصحتها، مما ساعدها على الاستمرار في مسيرتها الفنية لعقود طويلة بنفس القوة والحضور.. كما يُشار إلى أنها حضرت مباريات أخرى مثل المصارعة في الثلاثينيات.
تبقى قصة أم كلثوم وعشقها للرياضة والنادي الأهلي بالذات، دليلًا على أن "كوكب الشرق" لم تكن مجرد صوت يصدح في المسارح، بل كانت جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والرياضي المصري، تستخدم شهرتها العظيمة في الدعم والتأثير الإيجابي، وتثبت أن الفن والرياضة لا يفترقان في خدمة الأوطان.
