في قلب العاصمة التونسية، يقف النادي الإفريقي شامخاً، ليس كأحد أندية كرة القدم فحسب، بل كجزء أصيل من النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.

تأسس النادي عام 1920 في منطقة "باب جديد" العريقة، ولم يكن مولده مجرد حدث رياضي، بل كان تعبيرًا وطنيًا قويًا في وجه الاستعمار الفرنسي.. إن العلاقة بين الإفريقي والحياة السياسية في تونس علاقة عضوية، تتجاوز نتائج المباريات لتصل إلى صميم الهوية الوطنية والمقاومة الشعبية.

كان التأسيس بحد ذاته عملًا سياسيًا مقاومًا، في فترة كان فيها الاستعمار الفرنسي يسيطر على الأنشطة الرياضية ويدعم الأندية ذات الطابع الاستيطاني (كـ "الترجي الرياضي" في بداياته التي كانت مختلطة)، أصر المؤسسون على أن يكون النادي تونسيًا خالصًا من حيث اللاعبين والإدارة، ورفعوا شعار الألوان الوطنية (الأحمر والأبيض).

وتم رفض أي تدخل فرنسي في إدارة النادي، ما جعله ملاذاً للشباب التونسي الذي يبحث عن إطار يعبر فيه عن هويته دون قيود استعمارية.

تاريخيًا، ارتبط الإفريقي بـ الحزب الحر الدستوري التونسي، وكانت اجتماعات النادي ومقراته مراكز للقاءات السياسيين والمقاومين التونسيين خلال فترة الكفاح من أجل الاستقلال، ما رسخ صورته كنادي للوطنيين.

جدل السلطة والنفوذ بعد الاستقلال، لم تنقطع الصلة بين النادي والسلطة، لكنها أخذت أشكالاً مختلفة، ارتبط الإفريقي بعلاقة معقدة بـ الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية، الذي كان معروفاً بمتابعته للشأن الرياضي.. كانت العلاقة أحيانًا تتسم بـ الدعم وأحيانًا بـ التوتر والرقابة، غير أن الانتماء السياسي الأوضح للنادي ظهر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث ارتبط النادي بالإصلاحات التي قادها ما سمي بـ "النوفمبريين" (نسبة إلى انقلاب 7 نوفمبر 1987 الذي قاده زين العابدين بن علي).

خلال حكم بن علي، حصل النادي على دعم ملحوظ من شخصيات نافذة في السلطة، مما أدى إلى سيطرة عائلات وأطراف مقربة من النظام على إدارته لفترات طويلة. هذا الارتباط كان بمثابة سيف ذو حدين؛ وفر الاستقرار المالي ولكنه قيد في الوقت ذاته من حرية النادي في اتخاذ قراراته بشكل مستقل تمامًا.

صوت الجماهير المستقلة بعد ثورة 2011، تحررت الأندية التونسية نسبيًا من قبضة السلطة المباشرة، ومع ذلك، بقيت العلاقة ملتبسة. ظهرت جماهير الإفريقي (خاصة مجموعات "الأولتراس") كـ قوة ضغط سياسية واجتماعية مستقلة. أصبحت المدرجات منبرًا للتعبير عن السخط على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وتوجيه النقد العلني للمسؤولين في الدولة والنادي. اليوم، يمثل الإفريقي نموذجًا لكيفية تشابك الرياضة بالهوية والسياسة في المجتمعات التي شهدت تحولات كبرى.