في قلب الصحراء، وعلى منشآت رياضية عالمية ورثتها من كأس العالم 2022، تستضيف دولة قطر حاليًا أضخم نسخة في تاريخ مونديال الناشئين (كأس العالم تحت 17 عامًا) بمشاركة 48 منتخبًا.

هذه الاستضافة، التي قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن تكون سنوية لخمس سنوات قادمة (2025-2029)، لا تُعد مجرد حدث كروي عابر، بل هي تثبيت لمفهود الثروة الاقتصادية التي تضخها كرة القدم في شرايين الدول المستضيفة والمشاركة. ​

​استضافة قطر المتكررة للمونديال الناشئين تُظهر تحولًا استراتيجيًا في نموذج الاستثمار الرياضي فـ بعد الإنفاق الهائل على بنية تحتية فائقة الجودة لـ 2022، تضمن قطر من خلال هذه البطولات الاستثمار المستمر في استخدام وصيانة هذه المرافق، بدلاً من تركها خاملة.

ملاعب التدريب في "أسباير" تتحول إلى مسارح لمئات المباريات، مما يخلق قيمة اقتصادية مستدامة من الأصول القائمة فـ استضافة بطولة بهذا الحجم (104 مباريات) تتطلب كوادر تنظيمية ولوجستية هائلة.

لدى قطر 833 من القوى العاملة وآلاف المتطوعين، مما يُعزز صناعة إدارة الفعاليات الرياضية محليًا وإقليميًا. كما أن تدفق أكثر من 1,153 إعلاميًا لتغطية البطولة يعزز مكانة قطر كمنصة إعلامية عالمية. ​

رغم أن الناشئين لا يجذبون الحشود الجماهيرية للكبار، إلا أن الاستضافة السنوية تضمن تدفقًا ثابتاً لفرق الـ 48، عائلات اللاعبين، الإداريين، وكشافي الأندية، مما يُنشط قطاعات الضيافة والنقل والتجزئة بشكل دوري.

​منجم الذهب للبلدان المشاركة ​بالنسبة للدول المشاركة، وخاصة المنتخبات الأفريقية والعربية التي أظهرت تألقًا (مثل المغرب الذي تأهل لربع النهائي)، فإن مونديال الناشئين هو النافذة الأهم على سوق الاحتراف العالمي. ​

أداء نجم شاب في مباراة دولية ببطولة مصنفة عالميًا يمكن أن يضاعف قيمته السوقية عشرات المرات في غضون أسابيع، هذا يُمثل ثروة مباشرة للأندية التي قامت بتكوين هذا اللاعب، وبيع لاعب ناشئ واحد بملايين الدولارات يتيح للاتحادات والأندية الوطنية تمويل جيل كامل من المواهب الجديدة عبر تطوير الأكاديميات وتوفير بيئة تدريب احترافية.. وهذا يخلق دورة مالية إيجابية تخرج من اللعبة وتعود إليها. ​

نجاح المنتخبات الناشئة يُلفت نظر الأندية الأوروبية الراغبة في الاستثمار المباشر في أكاديميات التدريب بالدول النامية، لضمان الحصول على المواهب بأقل التكاليف قبل ظهورها العالمي، مما يضخ عملة صعبة في هذه الاقتصادات.

​قرار الفيفا بجعل مونديال الناشئين بطولة سنوية وإقامتها لـ 5 سنوات في قطر يرسخ حقيقة أن الاستدامة الرياضية هي مفتاح النمو الاقتصادي، قطر لا تستضيف بطولة لمرة واحدة، بل تبني شراكة طويلة الأمد مع الفيفا لتحويل نفسها إلى "عاصمة" دائمة للبطولات الكبرى، مما يضمن تدفقًا مستمرًا لرأس المال والخبرات. 

مشاهدة البرازيل، البرتغال، إيطاليا والنمسا تتنافس في نصف النهائي على ملاعب الدوحة ليست مجرد متعة كروية، بل هي تأكيد على أن الاستثمار في جيل الناشئين هو الاستثمار الأذكى في الثروة الاقتصادية المستقبلية للدول، سواء كانت مستضيفة أو مشاركة.