في 18 نوفمبر 2025، أصبحت غرفة الاجتماعات الشرقية في البيت الأبيض شاهدة على أحد أبرز الأحداث الدبلوماسية لعام 2025، وهي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذه الزيارة هي الأولى رسميًا منذ 2018، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل إعلانًا عن شراكة استراتيجية جديدة تشمل تريليون دولار استثمارات سعودية في الولايات المتحدة، صفقات دفاعية تشمل طائرات F-35، وتصنيف السعودية كـ"حليف رئيسي خارج الناتو"، لكن خلف هذه الإعلانات الاقتصادية والعسكرية، أثارت الزيارة جدلاً واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، مع أكثر من 42 مليون تفاعل في أربعة أيام فقط.
بدأت الزيارة بترحيب حار من ترامب، الذي وصف بن سلمان بـ"صديق عظيم وشخص محترم للغاية"، في إشارة إلى التحسن الملحوظ في العلاقات بعد فترة التوتر في عهد إدارة بايدن.
عُقد اللقاء في المكتب البيضاوي، متبوعًا بغداء رسمي وعشاء أسود الرابطة في قاعة الوزراء، مع حضور ضيوف بارزين مثل إيلون ماسك، تيم كوك (رئيس آبل)، وكريستيانو رونالدو.
شملت الزيارة ثلاثة إعلانات تاريخية تم توقيعها أو الإعلان عنها رسميًا:
الاستثمارات: رفع الالتزام السعودي من 600 مليار دولار إلى تريليون دولار كاملة على مدى السنوات القادمة، تتركز في الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، مراكز البيانات، والمعادن النادرة.
الدفاع: توقيع "الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي الأمريكي-السعودي"، مع الموافقة الأمريكية على بيع طائرات F-35 للسعودية (أول دولة عربية غير إسرائيل تحصل عليها) بالإضافة إلى 300 دبابة حديثة وأنظمة دفاع جوي متقدمة.
التصنيف الاستراتيجي: إعلان السعودية رسميًا حليفًا رئيسيًا خارج الناتو (Major Non-NATO Ally)، لتصبح الدولة رقم 20 عالميًا والدولة العربية الثامنة في هذه القائمة المرموقة بعد البحرين ومصر والأردن والكويت والمغرب وقطر وتونس.
هذه الإعلانات الثلاثة تُشكّل معًا أكبر حزمة تعاون سعودي-أمريكي منذ زيارة ترامب للرياض عام 2017.
منذ أول زيارة رسمية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض في مايو 2017، تتضاعف أرقام الاستثمارات والصفقات المعلنة بين الولايات المتحدة والسعودية مع كل لقاء كبير بين ترامب والأمير محمد بن سلمان.
بدأ الأمر بـ450 مليار دولار في 2017، ثم ارتفع إلى 600 مليار في 2024، ووصل في نوفمبر 2025 إلى تريليون دولار كاملة "أي أكثر من ضعف الرقم الأول في أقل من عقد"
يوضح الخط الزمني التفاعلي التالي كيف تتزامن كل قمة بين الزعيمين مع قفزة كبيرة في حجم الالتزامات المالية، مع تحول واضح من الصفقات العسكرية التقليدية إلى استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والبنية التحتية.
تعكس هذه الخطوات تحولًا من التركيز على النفط إلى الشراكة التكنولوجية، مع ربط الاستثمارات بـ"رؤية 2030" السعودية.
الاستثمارات السعودية في أمريكا: تريليون دولار.. التوزيع والتأثير الاقتصادي
أعلن بن سلمان رفع الاستثمارات إلى تريليون دولار، مقارنة بـ450 مليار في زيارة ترامب للرياض عام 2017، هذا الرقم الضخم، الذي وصفه ترامب بـ"صفقة القرن"، يُتوقع أن يعزز النمو الأمريكي بنسبة 2.5% في الربع الرابع من 2025، خاصة في الوظائف والتكنولوجيا.
خلال زيارة 18 نوفمبر 2025، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رفع الاستثمارات في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار على مدى السنوات المقبلة.
يكشف الاتشارت التفاعلي التالي لأول مرة التوزيع الدقيق لهذا الرقم الضخم حسب القطاعات: الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحصلان على الحصة الأكبر، يليهما الطاقة النظيفة والغاز، ثم الدفاع والأسلحة المتطورة.
كما يوضح الاتشارت التفاعلي التالي نسبة كل قطاع من قطاعات الاستثمار: الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحصلان على النصيب الأكبر بنسبة 28% (280 مليار دولار)، يليهما الطاقة النظيفة والغاز الطبيعي بنسبة 22% (220 مليار دولار)، ثم الدفاع والأسلحة المتقدمة بنسبة 18% (180 مليار دولار).
أما البنية التحتية والنقل فتشكل 12%، والمعادن النادرة وسلاسل التوريد 10%، بينما يذهب 5% إلى الرياضة والترفيه، 4.5% إلى السياحة والضيافة، و0.5% فقط إلى قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة والفضاء.
يعكس هذا التوزيع تحولًا استراتيجيًا سعوديًا نحو التكنولوجيا المتقدمة والبنية الرقمية، مع دعم مباشر للاقتصاد الأمريكي في مجالات الابتكار والطاقة، وفقًا لبيانات رسمية من البيت الأبيض وأرامكو.
السعودية كحليف رئيسي خارج الناتو.. الدولة العربية الثامنة والـ 20 عالميًا
أعلن ترامب في عشاء البيت الأبيض تصنيف السعودية كـ"حليف رئيسي خارج الناتو" (MNNA)، وهو تصنيف يمنح أولوية في الأسلحة المتقدمة، التمويل العسكري، والتعاون الاستخباراتي دون التزام دفاعي كامل.
يجعل هذا التصنيف السعودية الدولة العربية الثامنة في القائمة (بعد البحرين، مصر، الأردن، الكويت، المغرب، قطر، وتونس)، والـ 20 عالميًا
وتتلخص الفوائد الرئيسية العائدة على السعودية من هذا التصنيف فيما يلي:
- تخزين أسلحة أمريكية في السعودية
- مشاركة في تطوير تكنولوجيا عسكرية
- تدريبات مشتركة وصيانة أولوية
ومن المتوقع أن يعزز هذا التصنيف التوازن الإقليمي، خاصةً مع معارضة إسرائيلية لصفقة F-35، لكنه يثير مخاوف حقوقية.
42 مليون تفاعل وانقسام جغرافي.. تأثير الزيارة على السوشيال ميديا
بين 18 و22 نوفمبر 2025، سجّلت منصة X حوالي من 42 مليون تفاعل (مشاهدات + إعجابات + إعادة نشر + ردود) مرتبطة بزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض.
يظهر الاتشارت التفاعلي التالي توزيع هذه التفاعلات حسب الموقف: 58% كانت إيجابية أو محايدة-اقتصادية، مع تركيز واضح على حجم الاستثمارات البالغ تريليون دولار، صفقة F-35، وصور ترامب وبن سلمان مع كريستيانو رونالدو التي حصدت لوحدها 4.8 مليون تفاعل.
في المقابل، شكّلت التفاعلات السلبية 42%، مقسمة بين انتقادات حقوق الإنسان (30%) – أبرزها حملات تذكّر بقضية جمال خاشقجي التي قادتها منظمات مثل DAWN وحقوقيون أمريكيون – وانتقادات سياسية تربط الزيارة بغياب تقدم في القضية الفلسطينية (13%) تحت هاشتاغات مثل #PalestineFirst و#NoNormalization.
اللافت أن الحسابات الأمريكية والخليجية هيمنت على الجانب الإيجابي، بينما قادت الحسابات العربية خارج الخليج والأوروبية والأمريكية اليسارية الجانب الناقد، مما يعكس انقسامًا جغرافيًا وسياسيًا واضحًا حول الزيارة التاريخية.
وتعقيبًا على ذلك، قال الدكتور عبد الله الشامي خبير العلاقات الدولية في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة" إنه منذ تأسيس العلاقة السعودية–الأمريكية قبل نحو ثمانية عقود، حافظ البلدان على شراكة متينة تقوم على الأمن والطاقة والمصالح المشتركة.
وتابع: بلغ هذا التعاون ذروته خلال فترة ترامب بسبب تقارب التوجهات والاستراتيجيات.
ويؤكد خبير العلاقات الدولية، أن ازدهار العلاقات خلال فترة ترامب جاء نتيجة "توافق غير مسبوق في الأولويات بين واشنطن والرياض"، خصوصًا في ما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مضيفا أن إدارة ترامب اتبعت نهجًا يقوم على دعم الحلفاء التقليديين، وهو ما جعل السعودية "حجر الزاوية في استراتيجيته الشرق أوسطية".
ويشير الشامي إلى أن تلك الفترة شهدت أيضًا دعمًا أمريكيًا مباشرًا للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تقودها المملكة ضمن رؤية 2030، إلى جانب توقيع صفقات تسليح ضخمة وتعزيز التنسيق السياسي في الملفات الإقليمية الحساسة، وهو ما أسهم في رفع مستوى الشراكة بين البلدين إلى "تحالف شبه شامل".
من جانبه يرى الباحث في الشؤون الدولية أمجد الهواري، أن تاريخ العلاقات السعودية–الأمريكية يقوم على ثلاثة محاور ثابتة: الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، موضحا أن هذه المرتكزات جعلت التعاون بين البلدين مستقرا منذ منتصف القرن الماضي، لكنها تعززت بصورة لافتة خلال عهد ترامب بفعل "لغة المصالح المباشرة" التي تبنتها واشنطن آنذاك، ما سهل بناء تفاهمات سريعة في ملفات سياسية وأمنية معقدة.
وتابع في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة" أن المملكة العربية السعودية بدورها خلال العقد الأخير رسخت دورها كقوة مؤثرة في أسواق الطاقة، وأصبحت شريكا اقتصاديا للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الاستثمارات الضخمة التي تضخها في السوق الأمريكية.
