في تاريخ كرة القدم، غالبًا ما تكون الأندية مجرد تجمعات رياضية، لكن بالنسبة لنادي مولودية الجزائر، الذي يُلقب بـ "العميد"، فإن النشأة والهوية تتجاوزان حدود المستطيل الأخضر بكثير، لتصبحا جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.
مولودية الجزائر، الذي تأسس في 7 أغسطس 1921، ليس مجرد نادٍ رياضي، بل هو فعل سياسي مقاوم صريح.
تأسست المولودية في قلب مدينة الجزائر العتيقة (القصبة)، التي كانت معقلًا للوعي الوطني، إن اختيار التوقيت والاسم لم يكن صدفة، بل كان قرارًا يحمل دلالات عميقة في مواجهة التغريب الفرنسي.
سُمي النادي "مولودية" تيمناً بـ المولد النبوي الشريف، الذي صادف يوم تأسيس النادي في ذلك العام، هذا الاسم، المستوحى من الاحتفالات الدينية الإسلامية، كان بمثابة إعلان هوية صريح يرفض الهيمنة الثقافية والاجتماعية الفرنسية.
اعتمد النادي اللونين الأخضر والأحمر شعارًا له، يرمز الأخضر إلى الأمل والإسلام، بينما يرمز الأحمر إلى دماء الشهداء والتضحية.. كانت هذه الألوان هي ذاتها التي صارت لاحقاً رموزاً للثورة الجزائرية، مما يؤكد دوره في الحفاظ على الهوية الوطنية.
كانت الأندية الرياضية الإسلامية في الجزائر (مثل مولودية والاتحاد) هي الوجه الحضاري للنضال، كانت الأندية تُستخدم كخلايا سرية، وملاذ لاجتماعات الوطنيين، وكمكان يجمع الشباب الجزائري بعيداً عن أعين الإدارة الاستعمارية.
وصل التدخل السياسي إلى ذروته خلال حرب التحرير الجزائرية (1954-1962).. لم يكتفِ النظام الفرنسي بمضايقة هذه الأندية، بل أصبحت المولودية، شأنها شأن أندية "القطاع الحر" الأخرى، في قلب قرار تاريخي أصدره جبهة التحرير الوطني (FLN).. في عام 1956، أصدرت جبهة التحرير الوطنية قراراً بـ توقيف كافة الأنشطة الرياضية للأندية الجزائرية المسلمة، ودعت اللاعبين إلى الانضمام إلى صفوف الثورة المسلحة، سواء داخل البلاد أو خارجها (مثل فريق جبهة التحرير الوطني الشهير).. استجاب نادي مولودية الجزائر لهذا النداء دون تردد، ليُغلق أبوابه الرياضية ويتحول بالكامل إلى داعم ومشارك في النضال الوطني.
كان هذا القرار بمثابة شهادة ميلاد سياسية ثانية تؤكد أن الهدف الأسمى للنادي هو الوطن وليس الكؤوس.
حتى بعد الاستقلال، ظل البعد السياسي حاضراً في هوية المولودية، يُنظر إليه كـ "عميد الأندية الجزائرية" ليس فقط لقدمه، بل لعمق ارتباطه بالذاكرة الجماعية الوطنية.
اللوحات الفنية التي ترسمها جماهيره في المدرجات (التيفوهات) لا تتوقف عند حدود الفوز والخسارة، بل تحمل رسائل وطنية وتاريخية تخلد شهداء الثورة، فـ مولودية الجزائر، عبر تاريخه الممتد، يظل شاهداً على أن كرة القدم يمكن أن تتحول إلى ساحة للمقاومة الثقافية والسياسية، وأن التأسيس في بعض الأحيان قد يكون أول مرسوم للثورة قبل أن يكون لائحة رياضية.
