في ضواحي العاصمة التونسية، على شاطئ خليج تونس، يتربع نادي رياضة حمام الأنف وهو نادٍ يحمل في طياته أكثر من مجرد تاريخ رياضي، فميلاده وعلاقاته المتميزة بالنخبة السياسية التونسية، وتحديداً مع رمز الاستقلال الحبيب بورقيبة، جعلت منه أيقونة رياضية ذات أبعاد وطنية وسياسية عميقة.

تأسس النادي في
20  ديسمبر 1944، في فترة كانت تونس لا تزال تحت الحماية الفرنسية، لم يأتِ التأسيس من فراغ؛ فقد جاء ليكمل إرث نادٍ سابق كان يهيمن عليه المستعمرون الأوروبيون، كان حمام الأنف، بجوه الجذاب وطبيعته الساحلية، محطة مفضلة للنخبة، وشهد النادي الجديد انطلاقته على يد مجموعة من الوطنيين التونسيين الذين أرادوا تأسيس مؤسسة رياضية تعبر عن الهوية المحلية في مواجهة الهيمنة الأجنبية.

سرعان ما ارتفعت أسهم النادي رياضياً، محققاً إنجازات مبكرة ومذهلة، ففي أوائل الخمسينات، وقبل الاستقلال، استطاع النادي تحقيق هيمنة شبه كاملة على البطولات المحلية، وهو ما منحه شعبية جارفة وجعله رمزاً للتفوق التونسي في زمن كانت فيه المقاومة الوطنية تشتد
.

هنا تكمن النقطة المحورية في علاقة النادي بالسياسة، فقد ارتبط اسم الحبيب بورقيبة، الزعيم الوطني الذي أصبح لاحقاً أول رئيس لتونس، بنادي حمام الأنف بعلاقة فريدة، خلال مرحلة النضال ضد الاستعمار، كان بورقيبة يجد في النادي مساحة للدعم الشعبي والتواصل
.

في فترة رئاسته للجمهورية (1957-1987)، كان بورقيبة يعتبر الرئيس الشرفي للنادي، وداعمًا رئيسيًا له، هذا الدعم غير المسبوق من أعلى سلطة في البلاد لم يكن مجرد اهتمام رياضي؛ بل كان تزكية سياسية ووطنية للنادي
.

أصبح النادي نقطة جذب للشخصيات البارزة في الحزب الدستوري الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك) وكبار المسؤولين في الدولة
، كان يُنظر إلى دعم النادي والاحتفاء به على أنه جزء من سياسة الدولة لتعزيز الرموز الوطنية الشعبية.

بمرور الزمن، أدى هذا النفوذ السياسي المباشر إلى تذبذب في مسيرة النادي، فبقدر ما وفر الدعم الرئاسي موارد ونجاحات، بقدر ما أصبح مصير النادي مرهونًا إلى حد كبير بـ التوازنات السياسية وتغيرات القيادات في الدولة
.

مع تراجع دور بورقيبة وتبدل المشهد السياسي بعد عام 1987، تراجعت الأضواء المسلطة على النادي، وبدأ يعتمد بشكل أكبر على موارده الذاتية، مما أثر على أدائه الرياضي وتسبب في تذبذب مستواه بين الدرجة الأولى والثانية
.

يبقى نادي حمام الأنف، بتاريخه الغني بالبطولات وعلاقته الفريدة بأبرز صانع قرار في تاريخ تونس الحديث، نموذجًا للنادي الذي لم يكتفِ بلعب كرة القدم، بل شارك بفعالية في صناعة جزء من الذاكرة الوطنية والسياسية للجمهورية التونسية
.