شهدت شوارع مصر في السنوات الأخيرة ظاهرة غريبة آخذة في الانتشار بسرعة غير مسبوقة، وهي قيام بعض الأفراد أو المحلات بحجز مساحات من الطريق العام باستخدام السلاسل والأوتاد، ووضع لافتات تحمل عبارة "مكان انتظار خاص" استنادًا إلى القانون رقم 150 لسنة 2020. هذا القانون في جوهره لم يُشرّع ليمنح الأفراد حق الاستيلاء على الشارع، بل جاء لتنظيم مهنة السايس وضبط عمل ساحات الانتظار الجماعية تحت إشراف الدولة، بما يضمن توفير خدمة منظمة للمواطنين ويمنع الفوضى.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا، إذ أساء البعض تفسير القانون أو عمدوا إلى توظيفه بشكل يخدم مصالحهم الخاصة، فتحولت الشوارع إلى مساحات مؤجرة، وأصبح المواطن العادي في مواجهة أزمة يومية لإيجاد مكان يركن فيه سيارته، سواء للتوقف المؤقت أو للانتظار الطويل. هذه الممارسات لم تقتصر على الشوارع الرئيسية، بل امتدت إلى الشوارع الفرعية الضيقة التي لا يتجاوز عرضها عشرة أمتار، ما زاد من حدة الأزمة وأشعل مشاحنات ومشاجرات بين أصحاب السيارات.
الأثر السلبي لهذه الظاهرة لم يتوقف عند حدود الفوضى المرورية، بل امتد ليشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي. فقد استغل أصحاب الجراجات الأزمة ورفعوا القيمة الإيجارية لمبيت السيارات إلى مبالغ تجاوزت ألف جنيه شهريًا في بعض المناطق، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر المصرية التي تعاني أصلًا من ضغوط معيشية متزايدة. وهكذا تحولت الأزمة إلى حلقة مفرغة: ندرة أماكن الانتظار في الشارع، استغلال غير قانوني للمساحات العامة، ارتفاع أسعار الجراجات، وزيادة الاحتكاكات بين المواطنين.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل قامت وزارة التنمية المحلية والمحافظات بدراسة الآثار السلبية لهذه التصاريح قبل إصدارها؟ هل جرى تقييم القدرة الاستيعابية لكل شارع ومعرفة مدى توافر ساحات بديلة للانتظار؟ أم أن الأمر اقتصر على البحث عن مصدر مالي جديد للجهة الإدارية دون النظر إلى الأثر الاجتماعي والاقتصادي على حياة الناس؟
إن الشارع ليس ملكية خاصة، بل هو حق عام لكل المواطنين، وأي تنظيم له يجب أن يراعي العدالة الاجتماعية والقدرة الاستيعابية والبعد الإنساني. ما يحدث الآن يعكس غياب رؤية شاملة لإدارة ملف الانتظار في مصر، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة عاجلة للتشريعات وآليات التنفيذ، بحيث يتم ضبط الظاهرة ومنع استغلالها، مع توفير بدائل حقيقية مثل إنشاء جراجات متعددة الطوابق أو تنظيم ساحات عامة بإشراف الدولة.
إن معالجة هذه الأزمة لم تعد خيارًا بل ضرورة، فاستمرارها يعني مزيدًا من الفوضى ومزيدًا من الأعباء على المواطن، بينما الهدف الحقيقي من أي قانون هو خدمة الناس لا إثقال كاهلهم. الشارع المصري اليوم يحتاج إلى قرار حاسم يعيد له هيبته كحق عام، ويضع حدًا لظاهرة السلاسل والأوتاد التي حولت الطرق إلى ساحات صراع يومي بين المواطنين..
لواء هشام صبري
